
الإحساس الباطن (Si): هل نرى الحاضر أم نتذكره؟
يدخل أحدهم مكتبه صباحا، فيلحظ في الحال أن كرسيا نُقل من موضعه، ولم ينتبه إليه أحد من زملائه؛ فبأي شيء عرف؟ ولماذا يصعب عليه بعد ذلك أن يصدّق أن ذاكرته أخطأت في أمر آخر؟
في هذه المقالة 16
- بطاقة سريعة
- الاتجاه: حاضر يُقاس بما مضى
- كما وصفها يونغ
- الآلية: إدراك يمرّ بالمقارنة
- ما يشبهها في البحث المعاصر
- ما تجيده وأثرها
- العلاقة بالانتظام والثقة بالمجرب
- كيف تتبدل بتبدل الموقع
- الإحساس الباطن في المواقع الأربعة الأخرى
- ما يشبهها وليس هي
- كيف تلاحظها في يومك
- كيف تنميها
- مواطن الخلل وسوء الاستخدام
- مثال من الحياة
- أسئلة شائعة
- ملاحظة منهجية
كلنا نتذكر، وكلنا نقارن ما نراه بما عرفناه، غير أن بعض الناس يجعلون هذه المقارنة أول ما يفعلونه حين يدركون: يقف اثنان أمام الحدث نفسه، فيسجل أحدهما ما يراه الآن كما هو، ويضعه الآخر في الحال بجانب كل مرة مرّ فيها بما يشبهه، وهذا الإدراك الذي يقيس الحاضر بما عاشه صاحبه هو ما تصفه كتب الأنماط بالإحساس الباطن (Introverted Sensing، أو Si)، وهو وظيفة إدراك في نموذج يونغ ومايرز، نظيرها في الاتجاه الآخر الإحساس الظاهر (Se)؛ فما الذي يكسبه من يقرأ يومه بأمسه؟ ومتى يحجب عنه الأمس ما تغير؟
الاتجاه: حاضر يُقاس بما مضى
لماذا يختلف وصف اثنين للشارع نفسه، فيصفه أحدهما كما هو، ويصفه الآخر بما تغير فيه منذ عرفه؟ يختلف لأن الإحساس يتجه عند الأول إلى الخارج، وعند الثاني إلى الداخل: فالإحساس الظاهر (Se) يلتقط الواقع الحسي في لحظته، ويدعه يمر كما يمر الضوء من نافذة، والإحساس الباطن يلتقطه ثم يحمله إلى مخزون من تجارب صاحبه، فيقارنه بها، ويستخرج منه ما يشبهها وما يخالفها وما خرج عن المألوف.
ولهذا يشبّه كتّاب الأنماط Si بصفيحة تصوير حساسة، تُطبع عليها التجربة بألوان صاحبها وتبقى فيها، فإذا جاء موقف جديد كان مرجعه الأول ما تحفظه هذه الذاكرة عن مواقف تشبهه؛ فالإحساس الظاهر يسكن الحاضر، والإحساس الباطن يسكنه أيضا، ويقيسه بما مضى، وهذه القراءة، قراءة الذاكرة والمقارنة، جاءت من الكتّاب الذين أتوا بعد يونغ، أما يونغ فوصف انطباعا ذاتيا يتجاوز الشيء المحسوس إلى ما يثيره في نفس صاحبه.
كما وصفها يونغ
يبدأ يونغ وصف الإحساس الباطن في كتابه «الأنماط النفسية» من ملاحظة بسيطة، هي أن في كل إحساس طرفين: الشيء المحسوس، والشخص الذي يحسه، وفي الإحساس الباطن يغلب الطرف الثاني؛ ويضرب مثلا برسامين يرسمون المنظر نفسه بأمانة، فتخرج لوحاتهم مختلفة، لأن رؤية كل واحد منهم تدخل في لوحته مع مهارته.
فصاحب هذه الوظيفة يرى ما يراه الناس، ثم يتجاوز الأثر الموضوعي للشيء إلى الانطباع الذي أثاره فيه، ويكتب يونغ:
«الإحساس الذاتي يدرك خلفية العالم المادي لا سطحه».
ويصف صاحب هذا النمط بأنه يصعب أن يُتنبأ بما سيؤثر فيه وما لن يؤثر، لأن الانطباع الذي يتركه الشيء لا يتناسب مع الشيء نفسه؛ وقد يبدو من الخارج هادئا متماسكا قليل الانفعال، وهدوؤه يخفي حياة داخلية مزدحمة بالانطباعات، ويرجع بعض هذا الهدوء إلى صعوبة التعبير عند المنطوي.
فماذا يعوّض اللاوعي عنده؟ يعوّضه حدس ظاهر بدائي، يلتقط خلف الأشياء كل احتمال غامض أو مظلم أو خطر، ولا يلتقط الإمكانات النافعة كما يفعل الحدس الظاهر الناضج، فإذا اتسع الانفصال بين الوعي واللاوعي صارت هذه الاحتمالات أفكارا ملحّة مزعجة.
فهل فكرة «المخزون» والمقارنة بالتجارب الماضية من كلام يونغ؟ ليست من كلامه، فوصفه يدور حول الانطباع الذاتي، ولا يذكر ذاكرة شخصية ولا مقارنة بما مضى، وهذه الفكرة التي تقوم عليها المقالة جاءت من قراءات لاحقة في كتب الأنماط، فاقرأها تطويرا لفكرة يونغ.
الآلية: إدراك يمرّ بالمقارنة
يواجه صاحب Si موقفا جديدا، فيبدأ ذهنه بالبحث في مخزونه: هل مررت بمثل هذا؟ وماذا حدث يومها؟ وما الذي نجح، وما الذي تعثر؟ ويأتيه الجواب إحساسا داخليا بالشبه، ولا يأتيه استنتاجا منطقيا: «هذا يشبه ذاك»، أو «هذا ما جرى في سفرنا الأول»، فالمقارنة عنده طريقة في الإدراك، تسبق الحكم ولا تحل محله.
ويصف هاس وهونزيكر هذا العمل بعمل منظِّم الحرارة: يقيس الحال الحاضرة ويقارنها بمعيار مخزون في الداخل، فإذا انحرف الوضع عن المألوف شعر صاحبه بالاضطراب، واندفع إلى التصحيح؛ ومن هنا يلاحظ صاحب Si أن قطعة أثاث نُقلت من موضعها في الغرفة، ولم ينتبه إليها أحد من الحاضرين بعد، فعنده صورة حسية دقيقة لما ينبغي أن يكون عليه المكان، صنعتها خبرة طويلة به.
وذاكرته ذاتية الألوان، فالتجربة المحفوظة تحمل الطعم والرائحة والمزاج الذي صاحبها، ولذلك يدافع عن ذكراه دفاعا عنيدا إذا رُويت له رواية أخرى، إذ يعني قبول الرواية البديلة أن يعيد تسجيل التجربة كلها، وهذا عبء ثقيل على وظيفة تستمد استقرارها من ثبات مخزونها.
ما يشبهها في البحث المعاصر
أقرب الأبحاث إلى هذه الوظيفة، كما تصفها المقالة، دراسات الذاكرة الذاتية، أي ذاكرة الإنسان لأحداث حياته، وأهم ما تقوله يمس قسم «مواطن الخلل وسوء الاستخدام».
ترى نظرية معروفة في هذا الباب أن الذكرى الشخصية تُبنى من جديد كلما استُدعيت، بحسب أهداف صاحبها وصورته عن نفسه في لحظة الاستدعاء؛ وفي دراسة أخرى كتب 54 طالبا جامعيا، في اليوم التالي لحدث عام صادم، كيف سمعوا به، وكتبوا عن حدث يومي عادي أيضا، ثم سُئلوا مرة أخرى بعد أسابيع أو أشهر.
فماذا وجد الباحثون؟ وجدوا أن اتساق الذكريات مع ما كتبه الطلاب أول مرة تراجع في الحدثين بالقدر نفسه، وبقي وضوح الذكرى الصادمة وثقتهم بدقتها أعلى مما بقي في الحدث العادي.
ويشبه هذا ما تصفه النظرية من ثقة صاحب Si بتسجيله الداخلي، ويضيف إليه أن وضوح الذكرى وغناها بالتفاصيل الحسية لا يضمنان دقتها عند أي إنسان، ولم يختبر البحث بعد هل يتذكر من يبرز عندهم Si أدق من غيرهم.
مثال
يتذكر إياد بثقة كاملة أن الاتفاق مع المقاول كان على تسليم البيت في الربيع، ويتذكر المجلس الذي قيل فيه، ونوع القهوة التي شربوها، فرجع إلى رسائل الهاتف ليثبت ذلك للمقاول، فوجد أنه هو الذي كتب «بعد الصيف»، وبقي المشهد في ذاكرته واضحا كما كان.
ما تجيده وأثرها
أظهر ما يمنحه Si لفريقه ذاكرة مؤسسية قلما يملكها غيره، كما نقرؤه نحن: يتحمس الفريق للتجديد، وينسى ما جربه في السنوات الماضية، فيتذكر صاحب Si ما الذي أعاق المشروع الأول عند نقطة بعينها، وما الذي نجح في المرة الماضية، وهذه الذاكرة أثمن ما تكون حين تضغط المؤسسة نحو تغيير سريع لا يراجع سجلها.
وفي إدارة الجودة والامتثال والإجراءات المكتوبة يبرز Si بروزا واضحا، فقدرته على متابعة الإجراء بدقة، واكتشاف الانحراف عنه مبكرا، تنبع من طريقة عمله نفسها؛ ويصف كتّاب الأنماط صاحب Si المهيمن بأنه يحمل إلى أسرته وعمله ثباتا ووفاء، فيحفظ العهد طويلا ويفي به حين ينشغل عنه غيره.
وتنسب إليه هذه الكتب قدرة أدق، هي الوعي بالجسد من الداخل: فقد يلاحظ صاحب Si تغيرا طفيفا في صحته والأعراض لم تظهر بعد، لأنه يقارن ما يشعر به اليوم بمعيار راسخ في داخله لما يشعر به حين يكون معافى.
العلاقة بالانتظام والثقة بالمجرب
ولأن Si وظيفة إدراك باطنة، يستمد طاقته من الداخل، ويحتاج إلى وقت يرجع فيه إلى مخزونه ثم يجيب، ولذلك يصف كتّاب الأنماط صاحبه بأنه يتوقف قليلا وهو يتكلم ليجد المرجع الداخلي الصحيح؛ والانتظام والعادة وقود هذه المقارنة، فالمخزون يحتاج إلى محيط مستقر حتى تصح قراءاته.
فلماذا يرتاح صاحب Si إلى الانتظام، وصاحب Se لا يحتاج إليه؟ يرتاح إليه لأنه يتيح له أن يحكم بالمقارنة حكما يثق به، أما صاحب Se فيكفيه أن يجد في الموقف حاضرا حسيا غنيا يعمل فيه، مألوفا كان أو جديدا؛ فإذا فرض أحد على صاحب Si تغييرا مفاجئا لم يُراجَع فيه السجل، شعر بأن نظامه المرجعي يهتز، وهو النظام الذي يستقر به.
ولهذا يتعلم صاحب Si أيسر ما يتعلم حين تأتيه المادة الجديدة موصولة بما يعرفه: «هذا يشبه ما درسناه في الأسبوع الماضي».
كيف تتبدل بتبدل الموقع
والذاكرة التي تقود صاحبها في موقع تخدمه في موقع آخر، وتثقله في ثالث، فصورة Si تتبع موضعه في ترتيب الوظائف.
فإذا كان مهيمنا، عند ISTJ وISFJ، صار العدسة التي يرى بها صاحبه كل موقف، فيقرأ الحاضر بالماضي، ويسند القرار إلى سابقة، وحياته الداخلية غنية بتفاصيل حسية دقيقة، غير أنها تبقى في الغالب وراء وظيفته الحاكمة المساعدة الظاهرة، Te عند ISTJ وFe عند ISFJ، وهي التي يتعامل بها مع الناس.
وإذا كان مساعدا، عند ESTJ وESFJ، أمدّ الوظيفة الحاكمة الظاهرة المهيمنة بمعطيات موثوقة من سجله الداخلي: وقائع دقيقة، وتجارب ماضية في العمل، ومعلومات حسية استقاها من خبرته، فهو هنا يوثّق ويذكّر، ولا يقود.
وإذا كان ثالثا، عند INTP وINFP، ظهر في هوايات تطلب دقة ممتعة، كالطبخ باتباع وصفة، والتصميم المتأني، والرياضة التي تحتاج إلى إتقان الحركة؛ وقد يتحالف تحت الضغط مع الوظيفة الدنيا، فيستعرض أخطاء صاحبه الماضية شواهد على عجزه، ويستدعي من ذاكرته الإخفاقات وحدها.
وإذا كان أدنى، عند ENTP وENFP، عمل مكبوتا تحت الحدس الظاهر المهيمن (Ne)، فصاحب Ne يرى في العادة والتفصيل المكرر قيدا على حريته في الاستكشاف، فيتجنبهما؛ وتحت الإجهاد الشديد قد ينفجر Si الأدنى، فينكفئ المستكشف النشيط على تفصيل هامشي واحد يراجعه مرة بعد مرة، أو ينشغل بانزعاج جسدي يصير مركز يومه، وخلاصه أن يأخذ حظه من النوم والراحة والنظام حتى يستعيد توازنه.
الإحساس الباطن في المواقع الأربعة الأخرى
وفي نموذج جون بيبي ثمانية مواقع، الأربعة الأولى منها في قسم «كيف تتبدل بتبدل الموقع»، والأربعة الباقية صور للأولى، فيها الوظيفة نفسها في اتجاهها الآخر، ولها عند بيبي أسماء رمزية، ونسميها في نسار أسماء هادئة تصف أثرها.
المعارضة، عند ESTP وESFP: مهيمنتهما Se، وSi في الموقع المعاكس لها، وقد يظهر حين يوقف أحد اندفاعهما بعبارة «آخر مرة حدث كذا»، فيرفضان أن يُحتج عليهما بالماضي، أو يردان بذكرى قديمة يجعلانها حجة مضادة.
مثال
تحمّس باسل لشراء دراجة نارية مستعملة رآها اليوم، فقال له أخوه: آخر مرة اشتريت مستعملا دون فحص بقي في الورشة شهرين، فردّ باسل في الحال بذكرى من جهته: وأنت اشتريت الجديد فنقص سعره النصف في سنة، واشترى الدراجة في المساء نفسه.
المقيدة، عند ISTP وISFP: مساعدتهما Se، وقد يظهر Si صوتا ناقدا يستدعي فشلا ماضيا ليمنع محاولة جديدة: «جربت هذا مرة ولم ينجح».
مثال
دعا أصدقاء غسان صاحبهم إلى تجربة الغوص في رحلتهم، فرفض في الحال، فقد سبح في البحر منذ سنوات فابتلع ماء كثيرا وخاف، فذهب الجميع وبقي على الشاطئ، وفي المساء سمعهم يصفون ما رأوه، فسأل نفسه هل تكفي تلك المرة الواحدة حكما.
المراوغة، عند ENTJ وENFJ: الثالثة عندهما Se، وقد يظهر Si في التباس تفاصيل الماضي: خلاف على من قال ماذا ومتى، مع ثقة بذاكرة يتبين بعد ذلك أنها لم تكن دقيقة.
مثال
اختلف بندر مع زميله على ما اتفقا عليه في اجتماع الشهر الماضي، وبندر واثق بأن زميله وعد بإنهاء العرض، ويعيد الجملة كما يظن أنها قيلت، فاحتدّ النقاش، حتى فتح زميله محضر الاجتماع، فإذا المهمة مسندة إلى بندر نفسه!
المعطلة، عند INTJ وINFJ: الدنيا عندهما Se، وفي الضغط الشديد الطويل قد يظهر Si ذكرى مؤلمة تعود بتفاصيلها الحسية كلها، أو تمسكا جامدا بعادة صغيرة، وقد يحمل الموقع في هذا النموذج فرصة لفهم جديد إذا انتبه إليه صاحبه.
مثال
بعد شهور من ضغط متواصل صار إسماعيل يستيقظ ليلا على ذكرى خطأ وقع فيه في عرض منذ خمس سنوات: صوت القاعة، ووجه المدير، ولون الشريحة، وصار يشرب قهوته في الفنجان نفسه، ويضيق إن غيّر أحد مكانه، فلاحظ أخوه ذلك، ولم يكن هو قد لاحظه بعد.
كيف يعرضها مقياس يونغ في نسار؟ تعرض صفحة النتيجة سلما واحدا للوظائف الثماني، تظهر فيه «قوة» كل وظيفة، أي موضعها على مقياسها الخاص ذي البنود الثمانية، ومن هذه الدرجات تُحدَّد المهيمنة والمساعدة، ثم تُشتق المواقع الستة الباقية بقواعد بيبي؛ ولذلك لا يتبع مكان Si بين المواقع 5 و8 ترتيب درجته بين الوظائف، فقد تجده في موقع المعطلة وقوته مرتفعة، إذ تحدد النظرية الموقع، وتحدد إجاباتك القوة، وتفصل الصفحة هذه المواقع عن الأربعة الأولى بخط يقول إنها أضعف يقينا، وتضع وصفها في قسم مطوي.
وأصل هذه المواقع ما لاحظه بيبي في عمله العلاجي، فإن عرفت نفسك في وصف منها فاتخذه سؤالا تتأمله.
ما يشبهها وليس هي
الإحساس الباطن أم الإحساس الظاهر (Se)؟ كلاهما حسي يهتم بالملموس، غير أن Se يأخذ الحاضر كما هو، وSi يقرؤه بانطباع داخلي أو خبرة ماضية، وسؤالان يكشفان أيهما أقرب إليك:
حين تتذوق طبقا في مطعم جديد، هل تنشغل بطعمه الآن، أم تقارنه في الحال بطبق تعرفه؟
أيهما يطمئنك أكثر في مهمة جديدة: طريقة جربتها ونجحت، أم حرية أن تتصرف بحسب ما يظهر أمامك؟
وجد راكان وزياد طريقهما المعتاد إلى الدوام مغلقا، وكل منهما في سيارته، فانعطف راكان في الحال إلى شارع لم يدخله قط، يقرأ اللافتات وهو يسير، ورجع زياد إلى طريق بديل سلكه منذ سنتين، ولو كان أطول.
الإحساس الباطن أم الشعور الباطن (Fi)؟ كلاهما داخلي، وكلاهما يتمسك بما يخص صاحبه ويصعب أن يغيره غيره، والفرق في السند: فسند Si خبرة عاشها، يقول: «هذا ما رأيته ينجح»، وسند Fi قيمة، يقول: «هذا ما أراه صوابا».
حين ترفض تغييرا، ما سببك الأول: أن الطريقة القديمة أثبتت نجاحها، أم أن الجديد يخالف ما تؤمن به؟
لو ثبت لك أن الطريقة الجديدة أنجح، هل يزول اعتراضك؟ فإن زال فالأرجح أن مصدره Si، وإن بقي لأن فيه مسألة قيمة فالأرجح أن مصدره Fi.
اعترض عمار وطلال على نظام حضور جديد في الإدارة، فقال عمار: «النظام القديم لم يخطئ مرة واحدة في خمس سنوات»، وقال طلال: «لا أرضى بنظام يعامل الموظفين معاملة المتهمين».
كيف تلاحظها في يومك
لا تكفي العلامة وحدها، فاطلب لكل واحدة منها موقفا حدث لك في الأسبوع الماضي، كما في الخطوة الثانية من مقالة قراءة النتيجة، لأن الذاكرة تميل إلى ما يوافق الوصف، فإن لم تجد موقفا فالعلامة لا تصفك الآن.
لاحظت تغيرا صغيرا في مكان تعرفه، وغيرك لم ينتبه إليه بعد، كغرض نُقل من موضعه، أو صوت جديد في السيارة.
مثال
ركب مصطفى سيارة أخيه بعد غياب شهر، فقال في الدقيقة الأولى إن صوت المكابح تغير، ولم يسمع أخوه شيئا، فظل يمازحه على حساسية أذنيه طوال الطريق إلى الورشة، وهناك تبين أن وسادات المكابح الأمامية بدأت تتآكل.
قلت «آخر مرة حدث كذا» وأنت تناقش قرارا.
اتبعت طريقة مجربة وأنت تعرف أن غيرها ممكن.
تذكرت تفصيلا حسيا دقيقا من حدث قديم، كلون ثوب أو طعم وجبة.
شعرت بتعب أو ضيق حين تغير جدولك المعتاد فجأة.
ولتحقق أقوى: إذا اختلفت مع أحد على ما حدث فعلا، فارجع إلى مصدر مكتوب إن وُجد، كرسالة أو محضر، وسجّل ما وجدته، ثم اسأل نفسك بعد شهر: كم مرة طابقته ذاكرتك؟
كيف تنميها
إن كانت مهيمنة أو مساعدة (ISTJ وISFJ وESTJ وESFJ)، فما تحتاجه أن تكبح الإفراط:
إذا هممت برفض جديد فاسأل نفسك: أأرفضه لأنه أسوأ، أم لأني لم أجربه؟ ثم أعطه تجربة قصيرة محددة المدة.
في الخلاف على الماضي قل «هكذا أتذكره»، ودع «هكذا حدث».
غيّر بإرادتك شيئا صغيرا في يومك مرة في الشهر، كطريق أو ترتيب أو مكان جلوس، فهذا باب الحدس الظاهر (Ne).
إن كانت ثالثة أو دنيا (INTP وINFP وENTP وENFP)، فجرعات صغيرة آمنة:
اختر عادة صغيرة واحدة، كموعد للنوم أو مكان ثابت للمفاتيح، وحافظ عليها شهرا.
بعد كل مشروع اكتب ثلاثة أسطر: ما الذي نجح، وما الذي تعثر، وما الذي ستكرره.
مثال
أنهى نزار، المصمم المستقل، مشروعه العاشر هذا العام، وكان من عادته أن يقفز إلى المشروع التالي في اليوم نفسه، فكتب هذه المرة ثلاثة أسطر ثم بدأ، واكتشف وهو يكتبها أنه تأخر في سبعة مشاريع من العشرة للسبب نفسه: يعد بموعد ولم يرَ الملفات بعد.
إن علقت في الضغط بانزعاج جسدي أو ذكرى قديمة، فابدأ بالأساسيات: النوم، والطعام، والحركة.
مواطن الخلل وسوء الاستخدام
وإذا اشتد اتكاء صاحب Si عليه تصلّب أمام تغيير لا بد منه: يرفض بديلا أجود لأنه جديد فقط، أو يتجنب نشاطا نافعا لأنه تعثر فيه مرة منذ سنوات، فتصير الذاكرة التي كانت مرجعا يهديه سجنا يحبسه.
والخلل الثاني في الذاكرة نفسها، فهل يمكن أن يحفظ اثنان حادثة واحدة حفظين مختلفين؟ يمكن ذلك، فالذاكرة الشخصية لا تحفظ الحادثة كما وقعت، غير أن Si المتصلب يعاملها معاملة التسجيل الموضوعي، فيرفض الرواية الأخرى رفضا تاما، ويحوّل خلافا صغيرا على تفصيل إلى أزمة ثقة.
وفي أقصى الخلل قد ينغلق صاحب Si على وقائع قديمة لم تعد تخص الموقف، ويبني عليها قرارات لا يدخلها جديد، فيثقل على فريق يحتاج إلى التكيف السريع؛ وعلاجه أن يعرف أن بعض ما انتظم في الماضي تنتهي صلاحيته إذا تغيرت البيئة التي انتظم فيها.
مثال من الحياة
يعمل عبدالعزيز طبيبا في عيادة متخصصة منذ عشرين سنة، فقرأ في ملف مريض شكوى تبدو عادية، ولم يكتف بما تقوله القواعد العامة فيها، فقد استحضر في الحال ما مرّ به من ملفات تشبهها، وقال لنفسه: هذا الجمع بين العرضين يشبه حالتين عرفتهما، وكانت كلتاهما تخفي سببا ثانيا، فقراره هنا تعرّف حسي داخلي على نمط مخزون.
وكان معه في العيادة زميل حديث التخرج، طبّق الإجراء المكتوب بدقة، ووصل إلى التشخيص الذي تقود إليه الكتب، وفاته الانحراف الطفيف عن المألوف الذي التقطه عبدالعزيز في ثوان، والذي منح عبدالعزيز هذا التقدم مخزونه الغني من الحالات، وليس ذكاء يزيد به على زميله.
غير أن الخلل حاضر أيضا، فحين عرض عليه زميل إجراء جديدا لم يجربه، تثاقل في الأخذ به، وقال: ما لم أجربه بنفسي يبقى عندي ناقص الثقة؛ وهو يعرف هذا عن نفسه، فطلب وقتا يراقب فيه الإجراء الجديد، ثم يحكم عليه، ولم يرفضه من أول يوم.
أسئلة شائعة
هل صاحب Si أقوى ذاكرة من غيره؟
ليس أقوى بالضرورة، فالنظرية تصف ميلا إلى الرجوع إلى الخبرة الماضية، وقوة الذاكرة أمر آخر، وأبحاث الذاكرة الذاتية تقول إن الثقة بالذكرى لا تضمن دقتها عند أي إنسان.
هل الإحساس الباطن يعني المحافظة ورفض الجديد؟
لا يعني ذلك بالضرورة، فصاحبه يميل إلى الوثوق بما جربه، وكثيرون منهم يأخذون بالجديد متى رأوه ينجح، والتصلب الموصوف في «مواطن الخلل وسوء الاستخدام» صورة من صور الإفراط، والوظيفة أوسع منها.
هل أملك الإحساس الباطن إن لم يكن في نمطي؟
تملكه في النظرية، فيونغ يرى الوظائف كلها حاضرة في كل إنسان، ويختلف الناس في أيها أوعى وأكثر استعمالا، ومقياس يونغ في نسار يعطي كل وظيفة درجة مستقلة، فقد ترتفع درجة Si عند من لا يقع في مواقعه الأولى.
هل تقيسها الاختبارات بدقة؟
لا يقيسها اختبار مايرز-بريغز، فهو يقيس أربعة محاور، ثم يستنتج ترتيب الوظائف من الأحرف؛ أما مقياس يونغ في نسار فيقيسها مباشرة بثمانية بنود لكل وظيفة، وهو تقرير ذاتي له حدوده، وقد خلصت مراجعة نقدية حديثة إلى أن النظرية التي يقوم عليها مايرز-بريغز لا تتفق مع بيانات معروفة، ويصعب اختبارها، وفيها تناقضات داخلية، فخذ الدرجة معلومة تتأملها.
ملاحظة منهجية
يصف Si ميلا في الإدراك، والميل لا يحكم على صاحبه حكما قاطعا، والتعبير عنه في السلوك يتأثر بالثقافة تأثرا واضحا، فما يُقرأ وفاء وانتظاما في بيئة تقدّر الثبات والموروث قد يُقرأ جمودا وعجزا عن التكيف في بيئة تكافئ الاستجابة السريعة للتغيير؛ ومفاهيم الوظائف الإدراكية ومواقعها في الترتيب إطار تأملي مستمد من يونغ ومايرز، ينفع في فهم الذات وتنظيم التجربة، ولم يثبته البحث التجريبي في علم النفس الحديث.
والدليل التجريبي على ترتيب الوظائف ومواقعها ضعيف، فقد خلصت مراجعة للأبحاث التي اختبرت هذا الترتيب إلى أن السجل التجريبي لا يتفق معه في أكثر ما اختُبر، والتفصيل في صفحة الأدلة.
Jung, C. G. (1923). Psychological Types (H. G. Baynes, Trans.). الفصل 10، القسم C، «الإحساس» و«النمط الحسي الانطوائي»، ص 498-505 بحسب علامات الصفحات في النص المنشور، وموضع الاقتباس ص 500. النص الأصلي 1921 في الملك العام. https://psychclassics.yorku.ca/Jung/types.htm
Conway, M. A., & Pleydell-Pearce, C. W. (2000). The construction of autobiographical memories in the self-memory system. Psychological Review, 107(2), 261-288. https://doi.org/10.1037/0033-295X.107.2.261
Talarico, J. M., & Rubin, D. C. (2003). Confidence, not consistency, characterizes flashbulb memories. Psychological Science, 14(5), 455-461. https://doi.org/10.1111/1467-9280.02453
Stein, R., & Swan, A. B. (2019). Evaluating the validity of Myers-Briggs Type Indicator theory: A teaching tool and window into intuitive psychology. Social and Personality Psychology Compass, 13(2), e12434. https://doi.org/10.1111/spc3.12434
Beebe, J. (2017). Energies and Patterns in Psychological Type: The Reservoir of Consciousness. Routledge. (مصدر نموذج المواقع الثمانية، لا دليل تجريبي عليه)
Reynierse, J. H. (2009). The case against type dynamics. Journal of Psychological Type, 69(1), 1-24. (كما ينقله
proposals/articles/hubs/mbti-evidence.md)