MBTI

كيف تقرأ نتيجة MBTI الخاصة بك؟

نحو ٧ دقائق قراءة

في عام ١٩١٧، في بيت خشبي صغير في واشنطن العاصمة، جلست امرأة في أوائل الأربعينات من عمرها إلى مكتبة خشبية امتلأت بكتب في علم النفس والأدب والفلسفة، وفتحت دفترا صغيرا. كانت قد بدأت قبل سنوات مشروعا يخصها وحدها: تصنيف من تعرف من الناس إلى أنواع سلوكية متكررة. صهرها الجديد، اسمه كلارنس مايرز، بدا لها مختلفا جوهريا عن العائلة، فأرادت أن تفهم لماذا. لم تكن صاحبة شهادة في علم النفس ولا أكاديمية مدفوعة الأجر؛ كانت أما وزوجة تقرأ كثيرا، وتكتب يوميا، وتسجل ما تلاحظ. الاسم كاثرين كوك بريغز.

بعد سنوات من الملاحظة، نشرت بريغز مقالات صغيرة عن الأنماط الإنسانية في مجلات شعبية، عرضت فيها تصنيفا رباعيا بدأت تقننه. لم ينتشر العمل. سنة ١٩٢٣ كانت ترجمة كتاب كارل يونغ «الأنواع النفسية» قد ظهرت للتو بالإنجليزية، فقرأتها بريغز كأنها وجدت لغتها. صنفت دفاترها القديمة وفق إطار يونغ، ثم مرت سنوات أخرى قبل أن تتفق مع ابنتها إيزابيل بريغز مايرز على أن يخرج هذا العمل من الكراريس الخاصة إلى أيدي الناس. خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت إيزابيل تبحث عن طريقة تضع المجندين الجدد في وظائف تناسبهم بدل هدر طاقتهم، طورت مع أمها أول صورة كاملة من «مؤشر مايرز-بريغز» (Myers-Briggs Type Indicator)، أو MBTI كما عرف لاحقا. الاختبار خرج من شك في الذات لا من ادعاء بالعلم: كيف نفهم الناس الذين يختلفون عنا اختلافا جوهريا، دون أن نحكم عليهم؟

المأخذ الأكاديمي على MBTI له تاريخ مواز. أشهر النقاد هو ديفيد بتنغر (David J. Pittenger)، أستاذ علم النفس في جامعة Indiana State، الذي نشر سنة ١٩٩٣ ورقة مشهورة في Journal of Career Planning and Employment. أهم ما وجده أن نحو خمسين بالمئة من المختبرين الذين يعيدون الاختبار بعد فاصل يتراوح بين خمسة أسابيع وتسعة أشهر يحصلون على نمط مختلف من الأنماط الستة عشر. وجد أيضا أن ثنائية النمط (E أو I) لا تعكس واقع التوزيع الإحصائي. الناس لا ينقسمون إلى انبساطيين وانطوائيين كانقسامهم إلى من لديه دم من نوع A ومن لديه دم من نوع B. الناس يتوزعون على منحنى. معظمهم في الوسط.

هذا هو المفتاح الأول لقراءة ناضجة لنتيجتك. الحرف الذي يظهر في الصندوق العلوي — INTJ، ESFP، ENFP، أيا كان — ليس تشخيصا. هو ضغط بصري لرقم تحته. الرقم الفعلي هو النسبة. إذا حصلت على E بنسبة ٥٢٪ مقابل I بنسبة ٤٨٪، فأنت لست E. أنت شخص يقع في المنطقة الرمادية بين الحرفين، والاختبار حسم التعادل عشوائيا تقريبا بأن نزلك إلى E. لو كنت أجبت على سؤالين اثنين بشكل مختلف، لخرجت I. من يقرأ نتيجته ٥٢/٤٨ ويتبنى صورة الانبساطي النشط الذي يجد طاقته في الجماعة يكتب على نفسه قصة غير صحيحة. ما يكتب هذا الحد هو القرب من المنتصف، لا الميل إلى أحد الطرفين.

الحالة الثانية أن تكون نسبتك حادة، ٧٠ إلى ٣٠ أو أعمق. هنا الحرف يحمل معنى. لكن حتى في هذه الحالة، النتيجة ليست قدرا. النتيجة وصف لما أنت عليه في هذه المرحلة من حياتك، في هذا اليوم، تحت هذه الظروف. إيزابيل مايرز نفسها كتبت في كتابها «هدايا تختلف» (Gifts Differing) أن النمط يتضح مع العمر، وأن الشاب في العشرين قد لا يكون قد استقر بعد على تفضيلاته، وأن الضغط النفسي يغير الإجابات. ما يسمى في الأدبيات «النمط الحقيقي» (best-fit type) لا يستخرجه الاختبار وحده؛ يستخرجه القارئ في حوار بطيء مع نتيجته.

الخطوة العملية الأولى بعد قراءة الحرف هي الانتقال إلى الوصف، وقراءته بعين ناقدة. كل وصف سيحتوي على جمل تنطبق على الجميع — «أنت تكره السطحية»، «أنت تبحث عن المعنى». هذه جمل بارنوم في صورتها الكلاسيكية، وهي مدروسة في علم النفس منذ تجربة بيرترام فورير سنة ١٩٤٨ التي وزع فيها على تسعة وثلاثين طالبا نفس الفقرة الغامضة وجعلهم يقيمونها ٤٫٢٦ من ٥ في الدقة. الفقرة كانت مكتوبة عنهم جميعا، ولأنها كانت مكتوبة عنهم جميعا، لم تكن مكتوبة عن أحد. من يقرأ وصف نمطه دون هذا الحذر يخرج مقتنعا بأن النتيجة دقيقة، والحقيقة أن الذي أقنعه هو الجمل العامة لا الجمل الخاصة.

الجمل الخاصة تبدو مختلفة. تقول إن صاحب هذا النمط يتوقف عن حوار في منتصفه ليتأمل تناقضا منطقيا ثم يستأنف، أو ينفر من تكليف متكرر بعد الإسبوع الثاني، أو يتحدث في المجالس بصوت خافت لا يسمعه أحد إلا إن خفت الكلام كله. هذه جمل قابلة للتزييف: إما أن تنطبق عليك إذا تأملت أسبوعك الماضي، أو لا تنطبق. من يقرأ الوصف ويستطيع أن يستدعي موقفا ملموسا من حياته يجسد الجملة، فالوصف عنه. من لا يستطيع إلا أن يقول «نعم، هذا أنا بشكل عام»، فهو أمام نص بارنوم. سجل على هامش الوصف الجمل التي رفضتها. هذه ثروة. الجمل المرفوضة تكشف لك أي شطر من الوصف لا ينطبق، وأي نمط آخر قد يكون أقرب إلى حالتك الحقيقية.

الخطوة الثانية أن تربط النتيجة بسلوك ملموس من الأسبوع الذي مضى. لا تستدع ذكريات من المدرسة، ولا تفترض تصرفات في ظنيات مستقبلية. افتح يومك الأمس، واسأل: في أي لحظة تصرفت بشكل يؤكد النتيجة؟ في أي لحظة تصرفت بشكل ينقضها؟ هذه الممارسة، التي يسميها علماء النفس «التحقق السلوكي» (behavioral verification)، تحول النتيجة من صورة ساكنة في صفحة إلى فرضية تختبرها بحياتك. إنسان نتيجته INTJ يرى نفسه يخرج كل مساء إلى مقهى صاخب برفقة أصدقاء كثيرين لا يتناسب مع جزء الـI في الوصف. هذا تناقض مثمر، لا خلل في النتيجة. قد يكون الـI لديه ضعيفا، أو قد يكون السلوك مدفوعا بأمر آخر. الحوار مع التناقض يفتح نوافذ، أما تجاوزه فيغلق.

الخطوة الثالثة أن تقرأ النتيجة بالعكس. تقول إيزابيل مايرز: «النتائج التي يرفضها صاحبها بشيء من العاطفة هي غالبا النتائج الأصدق». من يرى في وصفه جملة تزعجه، ينبغي أن يتوقف عندها لا أن يطويها. الإزعاج إشارة إلى أن الجملة لامست شيئا يعرفه القارئ عن نفسه ولم يكن مستعدا أن يسمعه من خارج. هذا ما تنفع فيه النتيجة فعلا. لا في تأكيد ما تعرف عن نفسك بالفعل، في كشف ما تداريه. ولذا فإن من يقرأ نتيجته ويخرج راضيا تماما عنها قد يكون لم يقرأها بعد. الراحة الكاملة علامة قراءة سطحية.

متى تعود إلى الاختبار؟ القاعدة العملية في الأدبيات المهنية المعتمدة من The Myers-Briggs Company هي أن إعادة الاختبار قبل ستة أشهر لا تعطي معلومة جديدة. الإنسان ذاته. أما بعد ستة أشهر، خاصة إذا حدث في الفترة تغير مرحلي كبير — انتقال إلى وظيفة، أو زواج، أو هجرة، أو فقد كبير — فالنتيجة قد تختلف، والاختلاف نفسه معلومة. ليس أن النمط تغير؛ إن العدسة التي تنظر بها إلى نفسك تغيرت، والحياة عرضت لك نفسك من زاوية جديدة. من يعيد الاختبار كل شهر يحصل على ضوضاء، لا على عمق.

MBTI يكشف حرفا واحدا على كل محور، لكنه لا يكشف ما تحت الحرف. كارل يونغ، الذي بني المقياس على نظريته، كتب عن ثماني وظائف إدراكية لا أربع، وعن ترتيب بينها يحدد كيف يعمل ذهنك تحت الراحة وكيف ينقلب تحت الضغط. القارئ الذي يكتفي بأربعة أحرف يفقد طبقات من الفهم لا يمنحها MBTI أصلا. من يريد تعميق القراءة ينتقل من المقياس الرباعي إلى المقياس الثماني، ويرى نفسه بتفصيل أطول. لكن هذا قرار تال، لا أولي. الخطوة الأولى أن تقرأ ما لديك قراءة ناضجة.

من جلست في واشنطن سنة ١٩١٧ تسجل في دفترها لم تكن تكتب لزوار ينظرون إلى نتيجتهم ليؤكدوا أنفسهم. كانت تكتب لزائر مختلف عنها تحاول أن تفهمه. الفرق بين القارئين هين في الكلام ثقيل في النتيجة. من يفتح صفحة نتيجته ويبحث فيها عن تأكيد يخرج بأربعة أحرف. من يفتحها ويبحث فيها عن سؤال، يخرج بسؤال يستحق أن يعيش معه أشهرا.