
الشعور الباطن (Fi): بأي ميزان يحكم من لا ينتظر موافقة أحد؟
يوافق أحدهم على كل ما يُطرح في الاجتماع، حتى يُطلب منه ما يراه غير صادق، فيرفض بجملة واحدة ولا يتراجع؛ فمن أين جاء هذا الحد؟ ولماذا لم يعلنه من أول الأمر؟
في هذه المقالة 16
- بطاقة سريعة
- الاتجاه: ميزان معياره في الداخل
- كما وصفها يونغ
- الآلية: حكم ينضج على مهل، ثم لا يتزحزح
- ما يشبهها في البحث المعاصر
- ما تجيده وأثرها
- العلاقة بالعالم الخارجي
- كيف تتبدل بتبدل الموقع
- الشعور الباطن في المواقع الأربعة الأخرى
- ما يشبهها وليس هي
- كيف تلاحظها في يومك
- كيف تنميها
- مواطن الخلل وسوء الاستخدام
- مثال من الحياة
- أسئلة شائعة
- ملاحظة منهجية
لماذا يبدو صاحب الشعور الباطن (Introverted Feeling، أو Fi) مرنا يرضى بكثير مما يُعرض عليه، مع أن في داخله حدودا لا يتنازل عنها؟ يبدو كذلك لأن ميزانه في داخله، لا يعلنه ولا يطلب له إذنا من أحد، فهو وظيفة حكم بالقيمة في نموذج يونغ ومايرز، مثل نظيره الشعور الظاهر (Fe)، غير أن Fe يزن الأمر بما تحتاجه الجماعة وما يحفظ انسجامها، وFi يزنه بما يتسق مع قيم صاحبه، وافقه الناس أو خالفوه، والسؤال الذي يفرق بينهما: هل المرجع أثرك في مشاعر الآخرين، أم صدقك أمام ميزانك؟
الاتجاه: ميزان معياره في الداخل
حين يصل إلى صاحب Fi موقف أو خبر، يزنه أولا بسؤال لا يسمعه غيره: ما قيمة هذا عندي أنا، أيا كان رأي الآخرين فيه؟ ثم يأتي أثر الموقف في مشاعر من حوله في المرتبة التالية، والوزن هنا دقيق شخصي، يقوم على منظومة قيم نضجت شيئا فشيئا بالخبرة والتأمل، وهو ما يصفه هاس وهونزيكر بميزان داخلي يزن به صاحبه كل شيء.
ويتمهل حكمه حتى يستقر، ولا يندفع مع انفعال اللحظة، وقلما يعلن صاحبه قيمه، لأنه يراها شأنا داخليا محسوما لا يحتاج إلى إذن أو تصديق من الخارج؛ فإذا خالف قناعاته من حوله، أو طُلبت منه مجاملة لا صدق فيها، وجد في داخله تنافرا يصعب أن يتجاهله.
كما وصفها يونغ
يفتتح يونغ وصف الشعور الباطن في كتابه «الأنماط النفسية» باعتراف: يصعب وصف هذه العملية بالكلمات، مع أن أثرها واضح لمن ينتبه إليه، فهو شعور يحكمه معطى ذاتي، ويأتي الشيء الخارجي بعده في الأهمية، ولذلك يظهر قليلا على السطح، وكثيرا ما يُساء فهمه، ويُعرف غالبا من أحكامه السلبية، أي مما يرفضه أكثر مما يرضاه، ويكتب:
«عمق هذا الشعور يُخمَّن تخمينا، ولا يُفهم بوضوح أبدا».
فإلام يسعى هذا الشعور إن لم يسع إلى موافقة الواقع؟ يسعى، كما يرى يونغ، إلى صورة داخلية لا وجود لها في الواقع، ويطلب شدة في الداخل، ولا يأخذ من الأشياء إلا منبها؛ ويقرنه يونغ بالتفكير الباطن، فما قاله هناك يصح هنا، غير أن صاحبه هنا يحس بكل شيء، وصاحب التفكير الباطن يفكر فيه، والشعور أصعب في التعبير من الفكرة، فيحتاج صاحبه إلى قدرة فنية أو وصفية كبيرة لينقله إلى غيره.
ويصف صاحب هذه الوظيفة المهيمنة بأنه هادئ قليل الكلام صعب الفهم، ظاهره منسجم لا يريد أن يؤثر في أحد أو يغيره، وقد يظن من يراه أنه بارد، ويرى يونغ أن شعوره يتجه إلى العمق أكثر من الاتساع، فيتجمع تعاطفه في الداخل، ولا يخرج في كلام وأفعال كثيرة، حتى يخرج أحيانا في فعل كبير لم يتوقعه أحد.
وتحت هذا الوعي تفكير بدائي شديد التعلق بالوقائع، يعوّض انحيازه إلى الداخل، فإذا تضخم الأنا وكُبت هذا التفكير، فقد يُسقطه صاحبه على الآخرين، فيشغله ما يظن أنهم يفكرون فيه، ويرى في تصرفاتهم تدبيرا خفيا ضده.
الآلية: حكم ينضج على مهل، ثم لا يتزحزح
كل موقف يمر بصاحب Fi يمر على سؤال واحد: أيتسق هذا مع من أنا فعلا؟ والجواب لا يأتي سريعا، فهو يدع حكمه ينضج على مهل حتى يطمئن إليه، ولذلك يبدو لمن يراقبه هادئا متكيفا، يرضى بكثير مما يُعرض عليه دون احتجاج، فيظن الناس أن مرونته لا حد لها.
فإذا مُسّت قيمة من قيمه الأساسية تغير المشهد كله: يزول الهدوء فجأة، فيرفض صاحبه، وقد لا يشرح، أو يعلن رفضه بوضوح لم يتوقعه أحد ولا يتراجع عنه، فحده خفي حتى يتجاوزه أحد، فإذا تجاوزه فلا تفاوض عليه، ولهذا يصعب على كثيرين ممن حوله أن يقرؤوه.
ما يشبهها في البحث المعاصر
إن كان في البحث المعاصر ما يقترب من الشعور الباطن، فهو أبحاث القيم الشخصية، ويعرّف الباحثون القيم بأنها أهداف عامة مرغوبة تتجاوز المواقف، يتخذها الناس معايير للحكم والاختيار، وقد حددت دراسات واسعة عشر قيم أساسية تتكرر في ثقافات كثيرة، منها الإحسان إلى القريبين، والعدل الشامل، والإنجاز، والأمان، والاستقلال في التفكير، والناس يختلفون في ترتيب أهميتها؛ وهذا قريب مما يصفه قسم «الاتجاه» من ميزان في الداخل، يحمله المرء معه من موقف إلى موقف.
وفي أبحاث الاتساق الذاتي للأهداف تبين أن الأهداف المتسقة مع الذات، أي النابعة من اهتمامات صاحبها وقيمه، تحظى بجهد أطول وتتحقق أكثر، وأن تحقيقها يرفع الرضا عن الحياة أكثر من تحقيق أهداف مفروضة من الخارج، وهذا قريب مما تصفه المقالة من تنافر يجده صاحب Fi حين يعمل بما لا يؤمن به.
مثال
درس سمير المحاسبة لأن أهله رأوها طريقا آمنا، ونجح فيها بتقدير جيد، وفي سنته الأخيرة تطوع في مشروع لتعليم الأطفال القراءة، فصار يعمل فيه ليلا ولا يشعر بالوقت، ولاحظ أن ساعة في المشروع لا تتعبه، وأن ساعة في مادة المراجعة تتعبه كثيرا.
غير أن للناس جميعا قيما، والأبحاث تقيس محتوى القيم وترتيبها، ولا تقيس هل يحكم بها صاحبها من داخله أو بالنظر إلى الجماعة، ولم يختبر البحث بعد هل يتمسك من يبرز عندهم Fi بقيمهم أشد من غيرهم.
ما تجيده وأثرها
يمنح Fi صاحبه استقلالا في الحكم الأخلاقي، فمرجعه في داخله، ولذلك يستطيع أن يدافع عن موقف لا يحبه الناس دون أن ينتظر إجماعهم أو مديحهم، وأن يقف مع قضية يرى فيها صدقا ولو خسر رضا المجلس.
وفي الفريق والعائلة يضيف تعاطفا عميقا مع الفرد الواحد، فهو معتاد أن ينتبه إلى عالمه الداخلي الدقيق، فيلتقط ضيق الواحد ممن حوله بحساسية لا يسهل تقليدها، ويرضى بالناس كما هم دون شروط، فيجد من يجالسه وحده أمانا قلما يجده عند غيره، كما نقرؤه نحن.
العلاقة بالعالم الخارجي
ولأن Fi يعمل في الداخل، يبدو خافت الحضور لمن يراه من الخارج، فصاحبه لا يخاطب الناس بألفاظ «يجب» و«ينبغي»، لأنه يرى أن لكل إنسان حقا في معياره الداخلي، ولا يبوح بما في نفسه حتى يثق، فإذا وثق أعطى كثيرا.
وللسياق أثر في طريقة التعبير عن Fi، ففي بيئة تقدّم انسجام الجماعة على اختيار الفرد قد يُقرأ صاحبه عنيدا، أو قليل المبالاة بمشاعر من حوله، وقد يكيّف سلوكه الظاهر وقيمه في داخله لم تتغير، فيتراكم في داخله توتر صامت مع الأيام.
كيف تتبدل بتبدل الموقع
ويتغير طابع Fi بتغير موقعه في الترتيب، فقد يكون قانون صاحبه، أو بوصلته، أو صوتا خافتا لا يظهر إلا مع النضج أو تحت الضغط.
فحين يكون مهيمنا، عند ISFP وINFP، يصير قانون الحياة الأول، يعيش صاحبه بقيمه دون تنازل، وإن بدا للناس هادئ الصوت، فالهدوء الظاهر يخفي قناعات راسخة لا تحركها ضغوط المجلس، وتظهر بوضوح حين تُهدَّد مباشرة.
وحين يكون مساعدا، عند ESFP وENFP، يعمل بوصلة داخلية ترشد وظيفة الإدراك المهيمنة، فيصفّي ما يرد عليها من احتمالات وتجارب بسؤال: أيها يخصني حقا، وأيها جديد فقط؟ وهو هنا أهدأ وأقل صرامة، أقرب إلى مراجع يهذّب الاختيار.
وحين يكون ثالثا، عند ISTJ وINTJ، يتكشف مع النضج في ولاء عميق هادئ لمن يحبهم صاحبه، وفي ذوق جمالي، أو التزام صامت بقضايا يؤمن بها، لا يعلنه في كل حين.
وحين يكون أدنى، عند ESTJ وENTJ، يُكبت تحت التفكير الظاهر المهيمن (Te)، وفي الإجهاد الشديد قد يظهر في حساسية بالغة لإشارات الرفض الشخصي، وانفعالات مباغتة، كالدموع أو ثورة الغضب، لا تتناسب مع الحدث، وإحساس واهم بأن العالم يستهدفه هو.
ويجمع الرسم مواقع الشعور الباطن الأربعة: فهو الوظيفة المهيمنة عند ISFP وINFP، والمساعدة عند ESFP وENFP، والثالثة عند ISTJ وINTJ، والدنيا عند ESTJ وENTJ؛ وفي الرسم نمط واحد لكل موقع، من أربعة أنماط تتقاسم الوظائف نفسها، فترى خط الشعور الباطن ينزل فيها من القمة إلى القاع.
أين يقع الشعور الباطن عند كل نمط؟
تتقاسم الأنماط الأربعة الوظائف نفسها، فلا يتغير فيها إلا الترتيب، وينزل خط الشعور الباطن من القمة إلى القاع؛ والمس خطا آخر لتقارن به.
الشعور الباطن وظيفة مهيمنة عند ISFP، ومساعدة عند ESFP، وثالثة عند INTJ، ودنيا عند ENTJ.
الشعور الباطن في المواقع الأربعة الأخرى
ويمد جون بيبي ترتيب الوظائف إلى ثمانية مواقع، فبعد الأربعة الأولى أربعة أخرى، يأخذ كل موقع منها وظيفة موقع من الأربعة الأولى ويقلب اتجاهها، وأسماؤها عنده رمزية، ونسميها في نسار أسماء هادئة تصف أثرها.
المعارضة، عند ENFJ وESFJ: مهيمنتهما Fe، وFi في الموقع المعاكس لها، وقد يظهر حين تطلب منهما الجماعة ما يخالف قناعتهما الخاصة، فيتصلبان فجأة ويرفضان دون شرح، أو يحتجان بمشاعرهما على من يعارضهما: «أنت لا تعرف ما أشعر به».
مثال
اتفقت لجنة الحي على دعوة مسؤول معروف لافتتاح الحديقة، وطلبت من شادي، وعلاقاته طيبة مع الجميع، أن يقدمه في الحفل، فرفض فجأة دون أن يشرح، فلما ألحوا عليه قال بحدة: «أنتم لا تعرفون ما أشعر به تجاه هذا الرجل»، واستغرب الأعضاء، فلم يعهدوه يرد طلبا.
المقيدة، عند INFJ وISFJ: مساعدتهما Fe، وقد يظهر Fi صوتا ناقدا يحاكم صدق صاحبه أو صدق غيره: «أنت تجامل ولا تقول ما تشعر به»، أو حكما أخلاقيا قاسيا على من خذلهما.
مثال
قال عبدالحميد لصديقه على العشاء إن مشروعه الجديد فكرة ممتازة، وهو غير مقتنع بها، وفي طريق العودة سمع في رأسه صوتا قاسيا: أنت تجامل دائما، ولا تقول ما تشعر به أبدا، فنام منقبضا، وفي الصباح أرسل إلى صديقه سؤالين صادقين عن المشروع، ولم يتراجع عن تشجيعه.
المراوغة، عند ENTP وESTP: الثالثة عندهما Fe، وقد يظهر Fi في التباس المشاعر: خلط بين ما يشعران به وما يظنان أنه متوقع منهما، أو قيمة شخصية تُعلن فجأة لتسويغ موقف، ثم تُنسى.
مثال
في نقاش ساخن مع أصدقائه أعلن يحيى فجأة: «أنا لا أبيع شيئا لقريب، هذه قيمة عندي»، فاستغرب أصدقاؤه، فقد باع دراجته لابن عمه منذ شهر، فلما ذكّروه ضحك، وقال إنه لم يفكر في الأمر حتى اليوم، وإنه قالها لينتهي النقاش.
المعطلة، عند INTP وISTP: الدنيا عندهما Fe، وفي الضغط الشديد الطويل قد يظهر Fi إحساسا جارحا بأن أحدا لا يفهمهما، أو تمسكا عنيدا بموقف شخصي يعزلهما عن غيرهما، وقد يحمل الموقع في هذا النموذج فرصة لفهم جديد إذا انتبه إليه صاحبه.
مثال
بعد شهور من الضغط في عمله صار رائد يشعر بأن أحدا من أهله لا يفهمه، فرد على سؤال أخيه عن عمله بجملة جارحة، ثم اعتذر عن عشاء العائلة لأن «لا أحد هناك يعرف ما أمر به»، فلما زاره أخوه في بيته وجد نفسه يتكلم ساعة كاملة، ولا يذكر أنه تكلم هكذا منذ سنين.
كيف يعرضها مقياس يونغ في نسار؟ ترتب صفحة النتيجة الوظائف الثماني في سلم واحد، ولكل وظيفة «قوة»، وهي موضعها على مقياسها الخاص ذي البنود الثمانية، فمن درجاتك تُحدَّد المهيمنة والمساعدة، وبقواعد بيبي تُشتق المواقع الستة الباقية، ولذلك فمكان Fi بين المواقع 5 و8 لا يتبع ترتيب درجته بين الوظائف، وقد تجده في موقع المعطلة وقوته مرتفعة، فالموقع من النظرية، والقوة من إجاباتك، وتفصل الصفحة هذه المواقع عن الأربعة الأولى بخط يقول إنها أضعف يقينا، وتطوي وصفها في قسم مستقل.
وهذه المواقع ثمرة عمل بيبي العلاجي وملاحظاته، فاعرض كل وصف منها على نفسك سؤالا، ولا تأخذه حكما.
ما يشبهها وليس هي
الشعور الباطن أم الشعور الظاهر (Fe)؟ كلاهما حكم بالقيمة، والفرق في السؤال الذي يسأله كل منهما: Fi يسأل هل الأمر صادق عنده وموافق لما يؤمن به، وFe يسأل هل يحفظ ما بين الناس ويوافق ما يتفقون عليه:
حين يتفق من حولك على أمر تراه غير صادق، هل تجاريهم لتحفظ الجو، أم تنسحب بهدوء؟
ما الذي يؤلمك أكثر: أن يغضب منك الناس، أم أن تفعل ما لا تؤمن به؟
طُلب من ثامر وغسان أن يكتبا كلمة وداع دافئة لمدير لم يكن محبوبا في الإدارة، فكتب ثامر كلمة لطيفة عامة، لأن اللحظة تخص الفريق كله، وكتب غسان سطرا واحدا صادقا عن أمر قدّره في المدير فعلا، وأبى أن يزيد عليه.
الشعور الباطن أم التفكير الباطن (Ti)؟ كلاهما داخلي، وكلاهما يثبت على رأيه ولو خالفه الجميع، غير أن Fi يحكم بالقيمة، وTi يحكم بالاتساق:
حين تحكم على قرار، ما سؤالك الأول: هل هو عادل، أم هل هو متسق؟
إن تبين لك أن رأيك يناقض نفسه منطقيا، هل تتخلى عنه، أم تبحث له عن صياغة أدق لأن وراءه قيمة لا تتخلى عنها؟
ناقش راكان وبندر في سكن الجامعة قاعدة جديدة تسمح بإعادة الاختبار بعد دفع رسم، فقال راكان: «هذا ظلم لمن لا يستطيع أن يدفع»، وقال بندر: «القاعدة تناقض نفسها، فهي تقول إن الاختبار يقيس القدرة، ثم تجعل المال يغير النتيجة».
كيف تلاحظها في يومك
لا تكفي قراءة العلامات وحدها، فاطلب لكل علامة موقفا وقع لك في الأسبوع الماضي، كما في الخطوة الثانية من مقالة قراءة النتيجة، فإن لم تجد موقفا فالعلامة لا تصفك الآن.
رفضت طلبا بسيطا لأنه يخالف قناعة عندك، ولم تشرح السبب بالتفصيل.
تأثرت بعمل فني أو قصة تأثرا لم تحدث به أحدا.
شعرت بضيق بعد مجاملة قلتها وأنت لا تعنيها.
اخترت شيئا، كهدية أو طريقة عمل، لأنه يشبهك، ولو لم يكن الأنسب عمليا.
دافعت عن شخص غائب حين تكلم عنه الآخرون بما تراه ظلما.
مثال
في جلسة الاستراحة سخر الشباب من زميل لهم انسحب من رحلة في آخر لحظة، ووصفوه بالبخل، فقال إسماعيل بهدوء إن زميلهم يرسل نصف راتبه لعلاج والده، ولم يزد كلمة، فسكت المجلس وتغير الحديث، ولم يكن الزميل قد طلب منه أن يدافع عنه.
ولتحقق أقوى اكتب ثلاث قيم تراها أهم ما عندك، ثم راجع أسبوعك: في أي قرار فعلي ظهرت كل واحدة منها؟ فإن لم تجد قيمة منها في قرار، فاسأل نفسك: أهي قيمة أعيشها، أم قيمة أحب أن أراها في نفسي؟
كيف تنميها
إن كانت مهيمنة أو مساعدة (INFP وISFP وENFP وESFP)، فضبط الإفراط أولى بك:
إذا شعرت بأن أمرا خطأ، فحاول أن تكتب سببه في جملتين يفهمهما غيرك.
فرّق بين قيمة لا تتنازل عنها وتفضيل يمكن أن تتفاوض عليه، فليست القناعات كلها خطوطا حمراء.
إذا أجّلت قرارا لأنه يزعج أحدا، فضع له موعدا، وحوّل ما تريده إلى خطوة واحدة تقيسها، فهذا باب التفكير الظاهر (Te).
إن كانت ثالثة أو دنيا (INTJ وISTJ وENTJ وESTJ)، فجرعات صغيرة آمنة:
إذا كان أمامك قرار مهم فاسأل: هل أستطيع أن أدافع عن هذا أمام نفسي بعد سنة، بعيدا عن نتائجه؟
مثال
عُرض على سلطان، مدير المبيعات، أن يتولى فرعا جديدا براتب أعلى، بشرط أن يستغني عن نصف فريقه القديم، والأرقام كلها تقول نعم، فسأل نفسه: هل أستطيع أن أدافع عن هذا أمام نفسي بعد سنة؟ فلم يجد جوابا يرضيه، فطلب مهلة أسبوع، ثم اقترح خطة تنقل الفريق إلى الفرع ولا تستغني عنه.
اكتب في آخر الأسبوع شيئا واحدا أثّر فيك، ولماذا أثّر.
إن وجدت نفسك في الضغط تشعر بأن الناس يستهدفونك شخصيا، أو فاجأتك مشاعر أقوى من الموقف، فتوقف واسأل: ما القيمة التي أشعر أنها مُسّت؟ ثم تكلم مع شخص تثق به.
مواطن الخلل وسوء الاستخدام
ومن اتكأ على Fi وحده، دون إدراك خارجي يوازنه، قد ينعزل في مثل عليا لا يصل إليها الواقع: يضع معاييره الداخلية عالية جدا، ثم يصطدم بالفجوة بين ما يريده وما يجده، فيعيش إحباطا مزمنا، وقد يغرق في الأوهام والشفقة على نفسه.
والخطر الآخر أن يهرب من الخلاف الضروري، فلأنه يزن الأمور بمعيار ذاتي قد يشق عليه أن يواجه خلافا عمليا، أو يتخذ قرارا صارما يجرح مشاعر غيره، فيؤجل أو يتراجع في لحظة تحتاج إلى حسم.
مثال من الحياة
يعمل حسام مصمما في وكالة إعلانية، فطُلب منه أن يعدّل حملة يراها تضلل المستهلك، وزملاؤه يرون الطلب عاديا والعميل مهما؛ فجلس ساعة يفكر، ثم قال: لن أنفذ هذا، دون خُطبة، ودون نقاش في أثر الحملة على الناس، فقد وصل إلى حد في داخله، فلما حاول مديره أن يقنعه بحل وسط قال: أستطيع أن أغير الطريقة، ولا أستطيع أن أغير ما أعرف أنه غير صادق.
وفي مدرسة طلبت الإدارة من الأستاذ هشام أن يرفع درجة طالب ليصل إلى حد النجاح، فاعتذر بجملة واحدة: الدرجة تقول ما كتبه الطالب، ثم عرض أن يعطيه اختبارا ثانيا في الأسبوع التالي؛ ولم يشرح أحد الرجلين موقفه طويلا، فالحد عند صاحب Fi لا يحتاج إلى خُطبة، ويكفيه أن يكون صادقا في نفسه، وهو مع ذلك يبحث عن طريق يراعي غيره دون أن يتخطى حده.
أسئلة شائعة
هل أملك الشعور الباطن إن لم يكن في نمطي؟
تملكه بحسب النظرية، فيونغ يرى الوظائف كلها حاضرة عند كل إنسان، والفرق بين الناس في أيها أوعى وأكثر استعمالا، ومقياس يونغ في نسار يعطي كل وظيفة درجة مستقلة، فقد ترتفع درجة Fi عند من لا يقع في مواقعه الأولى.
هل تقيسها الاختبارات بدقة؟
لا يقيسها اختبار مايرز-بريغز، فهو يقيس أربعة محاور، ثم يستنتج ترتيب الوظائف من الأحرف، ومقياس يونغ في نسار يقيسها مباشرة بثمانية بنود لكل وظيفة، وهو تقرير ذاتي له حدوده؛ وقد خلصت مراجعة نقدية حديثة إلى أن النظرية التي يقوم عليها مايرز-بريغز لا تتفق مع بيانات معروفة، ويصعب اختبارها، وفيها تناقضات داخلية، فخذ الدرجة معلومة تتأملها.
هل صاحب Fi أكثر أخلاقا من غيره؟
ليس أكثر أخلاقا، فالوظيفة تصف مصدر المعيار الذي يحكم به صاحبها بالقيمة، أما صحة هذا المعيار وقوة الالتزام به فأمران آخران، ولأصحاب الوظائف الأخرى قيم يلتزمون بها أيضا.
هل الشعور هنا يعني العاطفية وكثرة الانفعال؟
لا يعني ذلك، فالشعور عند يونغ وظيفة حكم بالقيمة، وهو «عقلاني» مثل التفكير، وقد وصف يونغ صاحب الشعور الباطن بأنه يبدو هادئا قليل التعبير، حتى يظنه بعض الناس باردا.
ملاحظة منهجية
تصف المقالة ميلا في الحكم، ولا تصف الشخصية كلها، والتعبير عن Fi في السلوك يتأثر بالثقافة تأثرا كبيرا، فقد يتخذ في بيئة تقدّم الانسجام الجماعي على اختيار الفرد صورة تختلف كثيرا عما تصفه هذه الصفحة؛ ومفاهيم الوظائف الإدراكية ومواقعها في الترتيب إطار تأملي مستمد من يونغ ومايرز لفهم الذات، يُستعمل مرآة ولا يُتخذ قالبا.
والدليل التجريبي على ترتيب الوظائف ومواقعها ضعيف، فقد خلصت مراجعة للأبحاث التي اختبرت هذا الترتيب إلى أن السجل التجريبي لا يتفق معه في أكثر ما اختُبر، والتفصيل في صفحة الأدلة.
Jung, C. G. (1923). Psychological Types (H. G. Baynes, Trans.). الفصل 10، القسم C، «الشعور» و«النمط الشعوري الانطوائي»، ص 489-495 بحسب علامات الصفحات في النص المنشور، وموضع الاقتباس ص 490. النص الأصلي 1921 في الملك العام. https://psychclassics.yorku.ca/Jung/types.htm
Schwartz, S. H. (1992). Universals in the content and structure of values: Theoretical advances and empirical tests in 20 countries. Advances in Experimental Social Psychology, 25, 1-65. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60281-6
Sheldon, K. M., & Elliot, A. J. (1999). Goal striving, need satisfaction, and longitudinal well-being: The self-concordance model. Journal of Personality and Social Psychology, 76(3), 482-497. https://doi.org/10.1037/0022-3514.76.3.482
Stein, R., & Swan, A. B. (2019). Evaluating the validity of Myers-Briggs Type Indicator theory: A teaching tool and window into intuitive psychology. Social and Personality Psychology Compass, 13(2), e12434. https://doi.org/10.1111/spc3.12434
Beebe, J. (2017). Energies and Patterns in Psychological Type: The Reservoir of Consciousness. Routledge. (مصدر نموذج المواقع الثمانية، لا دليل تجريبي عليه)
Reynierse, J. H. (2009). The case against type dynamics. Journal of Psychological Type, 69(1), 1-24. (كما ينقله
proposals/articles/hubs/mbti-evidence.md)