
متى تثق بنتيجة المقياس ومتى تتشكك؟
في خريف من السنوات الأخيرة جلس شاب في الخامسة والعشرين أمام شاشته في غرفته، ودخل موقعا شائعا يعرض اختبار شخصية مترجما، فلما أنهى ستين سؤالا في أربع عشرة دقيقة خرجت له أربعة أحرف: INFJ؛ فقرأ الوصف، ووجد نفسه فيه، وأغلق الصفحة مقتنعا بأنه اكتشف شيئا عن نفسه.
وبعد ثلاثة أشهر، في مرحلة من القلق المهني، عاد إلى الاختبار نفسه في الموقع نفسه، فخرجت له هذه المرة ENFP: الحرف الأول تبدل، والأخير تبدل، فتغير حرفان من أربعة، وهو لم يتغير، فلم ينتقل من بلد إلى بلد، ولم يغير وظيفته؛ فلماذا كان INFJ في الخريف وENFP في الشتاء، مع أنه بقي الرجل نفسه؟
وقصته ليست نادرة، ففي أوائل التسعينيات جمع عالم النفس ديفيد بتنغر (David J. Pittenger)، من كلية ماريتا (Marietta College)، بيانات إعادة الاختبار من عدد من الدراسات المنشورة عن MBTI، ونشرها سنة 1993 في مقالة صارت من أشهر المراجع النقدية للمقياس؛ ووجد فيها أن نحو خمسين في المئة من المختبرين يحصلون على نمط غير نمطهم السابق إذا أعادوا الاختبار بعد خمسة أسابيع، وهذه النسبة مشكلة في صميم طريقة عمل المقياس، يصعب تجاوزها، فالمقياس الذي يعطي صاحبه نتيجتين مختلفتين في فاصل قصير لا يستطيع أن يدّعي أنه يقيس نمطا ثابتا.
فهل تُسقط هذه البيانات قيمة MBTI وغيره من مقاييس الشخصية؟ لا تُسقطها، فالفهم الصحيح لها يحدد ما ينفع فيه المقياس وما لا ينفع فيه: ينفع MBTI لغة مشتركة بين الزملاء، ونقطة بداية لحوار المرء مع نفسه، ومرآة خشنة تكشف للقارئ تفضيلات لم يكن قد سماها؛ ولا ينفع تشخيصا نهائيا، ولا أساسا لقرار مهني كبير، ولا هوية، والفرق بين النفعين هو الفرق بين أن تستعمل النتيجة وأن تخضع لها.
فمتى تكون النتيجة جديرة بالثقة؟ تفصل ثلاثة أسئلة بين النتائج التي تستحق القراءة والنتائج التي تستحق الإلغاء، والسؤال الأول عن صدق الإجابات: حين أجبت عن الأسئلة الستين، هل أجبت بما تفعله فعلا، أم بما تتمنى أن تفعله، أم بما تظن أن الاختبار ينتظره منك؟
وكثير من المختبرين العرب يدخلون الاختبار وهم يعرفون، من متابعتهم للموضوع على الإنترنت، أن نمط INTJ مثلا مقرون بالعبقرية، أو أن نمط INFJ نادر خاص، فينحازون في إجاباتهم انحيازا لا يشعرون به، فتخرج النتيجة قراءة لما يريدون أن يكونوا، وما هي بقراءة لشخصياتهم، والفرق بينهما هائل؛ والعلاج بسيط: تخيّل عند كل سؤال أنك تصف نفسك لصديق يعرفك جيدا، ولا تقدر أن تكذب عليه، فسترى إجاباتك تتغير.
والسؤال الثاني عن حدة النسب، فالنتائج تأتي في العادة ومعها نسب مئوية في الخلفية، ولو لم تظهر في الواجهة؛ فالنسبة الحادة، سبعون إلى ثلاثين أو أبعد، تعني أن الإجابات اتفقت بوضوح على تفضيل واحد، والنسبة الحدية، اثنان وخمسون إلى ثمانية وأربعين، تعني أن الإجابات كانت موزعة، وأن الحرف الذي ظهر في النتيجة قد تحسمه إجابتان من ستين.
فمن خرج INFJ بنسبة 53% لحرف F مقابل 47% لحرف T فهو في الحقيقة في المنتصف بين الشعور والتفكير، وقد أنزله المقياس إلى أحد الطرفين لسبب إحصائي، ولم يكن للسبب صلة بجوهره؛ والثقة بنمط بُني على نسبة حدية تساوي الثقة بنتيجة قرعة.
والسؤال الثالث عن الاتساق في السلوك، فكتب المعايير الأكاديمية للاختبارات النفسية، وأوضحها معايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA Standards for Educational and Psychological Testing)، تميز بين «الصدق المتنبئ» (predictive validity) و«الصدق المتزامن» (concurrent validity)؛ وأبسط طريقة تطبق بها هذا المعيار على نتيجتك أن تطلب من ثلاثة أشخاص يعرفونك جيدا أن يصفوك، دون أن تخبرهم بالنتيجة، ثم تقارن وصفهم بها، فالاتفاق يرفع الثقة، والاختلاف يفتح حوارا.
فإذا قال زملاؤك إنك حازم في القرار صارم في التنفيذ، وخرجت نتيجتك F، أي شعوري يميل إلى القيم، فالذي قرأه المقياس في إجاباتك الصادقة يعيش في داخلك، ولا يظهر في سلوكك مع من حولك؛ وهذا تناقض مهم ينبغي أن تفهمه، ولا يلزم أن يكون خطأ.
وهناك شرط رابع، هو توقعات المحيط، فقد تدخل في النتيجة دون قصد من صاحبها، فتلوّن الحرف بلون غير لونه؛ ومن قرأ نتيجته ولم يسأل نفسه: هل أجبت كما أنا، أم كما يتوقع المحيط مني؟ فقد أضاع طبقة من القراءة لا يستطيع المقياس وحده أن يكشفها.
فإن قلت: فمتى أعيد الاختبار؟ قلنا: نقترح في نسار ألا تعيده قبل ستة أشهر، فالإنسان في فاصل أقصر هو الإنسان نفسه، والإعادة في هذه المدة تنتج ضوضاء، ولا تنتج معلومة؛ أما بعد ستة أشهر، ولا سيما إذا مررت بتحول في مرحلتك، كالتخرج أو الزواج أو الانتقال إلى وظيفة جديدة أو الهجرة أو فقد كبير، فالإعادة مثمرة، لأن الزاوية التي ترى منها نفسك تغيرت، والنمط على حاله، فتلتقط الأسئلة نفسها بأذن مختلفة.
فإن أعدت الاختبار فخرج لك نمط آخر، فاسأل نفسك: هل تغيرت أنا، أم كان المقياس الأول غير دقيق، أم هذا المقياس هو غير الدقيق؟ وهذا السؤال الثلاثي أهم من جواب سريع يتبنى أحد النمطين.
وبين «النتيجة الخاطئة» و«النتيجة غير الدقيقة» فرق، فالمقياس الذي يخرج بنتيجة تنحرف عن واقعك انحرافا صريحا، كأن يقول إنك انبساطي شديد وأنت تهرب من التجمعات الصاخبة، يعطيك نتيجة خاطئة، وسبب الخطأ في الإجابات، أو في المقياس نفسه، أو في طريقة حسابه؛ أما المقياس الذي يضعك في فئة أنت في منتصفها فيعطيك نتيجة غير دقيقة، وليست خاطئة.
والفرق العملي بينهما أن النتيجة الخاطئة تُلغى، ويُعاد التفكير من أوله، والنتيجة غير الدقيقة تحتفظ بها تخمينا ينتظر التأكيد؛ ومن لا يميز بين الحالتين يرفض كل نتيجة لم تبلغ مئة في المئة، أو يتبنى كل نتيجة شعر بشيء من الاتفاق معها، وكلتا العادتين قاتلة للفهم.
والنتيجة الجيدة تصيب أجزاء من القارئ، فيتوهمها صحيحة كلها، وهنا يُخدع؛ والمختبر الناضج يفرز نتيجته بثلاثة أسئلة: ما الذي تنطبق عليه نتيجتي انطباقا ملموسا؟ وما الذي تنطبق عليه انطباقا غامضا؟ وما الذي لا تنطبق عليه أبدا؟ والأجوبة الثلاثة كلها معلومات، فالجزء الذي ينطبق يمكن استعماله، والجزء الغامض ينتظر مزيدا من السلوك الملحوظ، والجزء الذي لا ينطبق يكشف انحياز المقياس أو انحياز الإجابات.
والشاب الذي خرج INFJ في الخريف وENFP في الشتاء يستحق جوابا صريحا، فالنتيجتان كانتا قراءتين لحالتين مزاجيتين، ولم تكونا قراءتين لنمطه: أجاب في الأولى بما يشعر به في فترة هادئة، من ميل إلى الخصوصية والقرار المدروس والمشاعر الخفية، وأجاب في الثانية بما يشعر به في فترة قلقة، من حاجة إلى التواصل والمرونة والاكتشاف؛ فكلتاهما صادقة عن مزاجه في تلك اللحظة، وكلتاهما كاذبة عن نمطه الجوهري.
والنمط الجوهري لا يظهر في جلسة واحدة، فهو يظهر في اتساق بين جلسات عدة في حالات مختلفة، أو في مقارنة النتيجة بوصف ثلاثة أشخاص يعرفونك، أو في ملاحظتك لسلوكك شهرا كاملا؛ فالنتيجة الواحدة تخمين، والاتساق هو الدليل.
ولم يكن مطلوبا من الذي جلس في غرفته تلك الليلة أن يختار بين INFJ وENFP، فقد كان مطلوبا منه أن ينتقل من سؤال «ما نمطي؟» إلى سؤال «ما الذي تتفق عليه النتيجتان؟»، والحرف N ظهر في الاثنتين، والحرف F ظهر في الاثنتين، وهذا اتفاق يستحق أن يحتفظ به؛ والاختلاف بين E وI وبين J وP يكشف أنه في المنتصف في هذين المحورين، يتقلب بحسب حاله، وهذه معلومة أيضا.
فمن طلب من المقياس يقينا لا يملكه الواقع خرج بيقين كاذب، ومن طلب منه أن يكشف ما يثبت فيه على اختلاف حالاته خرج بأداة تنفعه، والفرق بين الثقتين هو الفرق بين أن يستعمل المقياس وأن يستهلكه.