خطر بارنوم: لماذا يبدو كل تحليل صحيحا عنك؟

في علم النفس · نحو 7 دقائق قراءة

في خريف عام 1948 وقف أستاذ علم النفس بيرترام فورير (Bertram R. Forer) أمام تسعة وثلاثين طالبا في صفه بجامعة كاليفورنيا، ووزع عليهم اختبارا اسمه «اختبار الاهتمامات التشخيصي» (Diagnostic Interest Blank)، فجمع الأوراق، وانتظر أسبوعا، ثم عاد بمغلفات على كل منها اسم طالب، وفي كل مغلف ورقة عليها «تحليل شخصي» يُقال إنه خرج مما كتبه صاحبه؛ فطلب من كل طالب أن يقرأ تحليله في صمت، ثم يقيّم دقته من صفر إلى خمسة، فجاء متوسط التقييم 4.26 من خمسة، ثم كشف لهم المفاجأة.

كانت المغلفات كلها متطابقة: تسعة وثلاثون طالبا قرؤوا الفقرة نفسها حرفا بحرف، ولم يكتبها فورير لهم أصلا، فقد جمع جملها الثلاث عشرة قبل أيام من كتب في الأبراج، ومنها: «لديك حاجة كبيرة إلى أن يحبك الآخرون ويقدّروك، ومع ذلك تميل إلى انتقاد نفسك. لديك إمكانات كبيرة لم تستفد منها بعد. لديك نقاط ضعف في شخصيتك تقدر على التعويض عنها»، وبدت الجمل لكل طالب مكتوبة له وحده!

ونشر فورير نتائجه في ورقته المعروفة «التأثير الإيهامي في التقييم الشخصي»، فبدأ بها خطا من البحث أُعيدت فيه التجربة عشرات المرات، والنتيجة في كل مرة قريبة من نتيجته؛ ولا يقتصر الأثر على الاختبارات المكتوبة، فهو يظهر في قراءة الكروت وفي التشخيصات الإلكترونية السريعة وفي تفسير الأحلام المنشور، وفي كل نص يعد قارئه بأنه «شخصي».

وبعد ثماني سنوات، عام 1956، سمّى عالم النفس بول ميل (Paul Meehl) هذه الظاهرة باسم ساخر، نسبة إلى فينياس بارنوم (P. T. Barnum)، صاحب السيرك الأمريكي المشهور بجملته: «لدينا شيء لكل واحد»؛ وشاع الاسم بعد ذلك في كتب علم النفس، لأن الجملة تختصر الظاهرة كلها: وصف يصدق على كل الناس، فيقرؤه كل واحد كأنه كُتب له، والطريف أن بارنوم كان يتحدث عن بيع التذاكر، ولم يكن يتحدث عن الشخصية، فوصفت جملته صناعة كاملة قبل أن تنشأ.

لماذا يصدّق العاقل وصفا كُتب لغيره، مع أنه يعرف نفسه أكثر من أي كاتب؟ يذكر الباحثون لذلك أربعة أسباب:

  • الانتقاء: حين يقرأ المرء جملة مثل «أحيانا تشك في قراراتك» يستدعي من ذاكرته أقرب موقف يؤكدها، ويتجاوز عشرات المواقف التي لا تؤكدها، فيملأ ذهنه الفراغ بأمثلة من حياته، ثم ينسب الذكاء إلى النص.
  • الغموض المقصود: تُكتب هذه النصوص عمدا بحدود غامضة، فعبارة «تميل إلى أن تكون ناقدا لنفسك» تصدق على كل بالغ تقريبا، لأن كل إنسان ينتقد نفسه في لحظة ما؛ فالغموض هنا خطة الكاتب.
  • هيبة المصدر: الجملة التي تأتي من «خبير» أو من «اختبار مدفوع» أو من «نتيجة بعد تحليل» تكتسب وزنا لا تكتسبه في صفحة عابرة، وسلطة المرسل توقف الفحص في ذهن القارئ؛ ولهذا تقنع اختبارات الشخصية على الإنترنت قارئها أكثر مما تقنعه الأبراج في مجلة، وإن كان نصها أركّ، لأنه يدخلها وهو يفترض فيها الكفاءة.
  • التأكيد الشخصي: العبارة التي تحتمل تفسيرين يختار صاحبها منهما ما يخدمه، فعبارة «أنت مسالم، لكنك تنفجر إذا ضُغط عليك» تصدق على الهادئ وعلى الحادّ معا، لأن ذهن كل منهما يعرّف «المسالمة» و«الانفجار» بما يلائمه.

وهذا ما نراه كل يوم: يقرأ أحدنا برجه في الصباح مازحا، ثم يتذكر جملة منه في المساء حين يقع له ما يشبهها.

فهل يعني هذا أن نترك اختبارات الشخصية كلها؟ لا نتركها، فمن عرف هذا الأثر دخلها بعين أخرى، وقرأ نتيجته بأربع قواعد:

  • احذف الجملة التي تصدق على كل بالغ: فعبارة «أنت شخص يحتاج إلى التقدير» لا تخبرك بشيء عنك، لأنها تصف الناس جميعا.
  • ابحث عن الجانب المعاكس: الوصف الصادق يذكر النقطة العمياء والإفراط والجانب المظلم، والوصف الذي لا يذكر إلا المحاسن يكاد يكون كاذبا، لأن كل سمة حقيقية تنتج قوة وخللا معا.
  • اعرض نتيجتك على من يعرفك حقا: فإن قال إنها تصدق عليك، وذكر من حياتك مواقف محددة تجسدها، فهي إشارة صادقة؛ وإن اكتفى بأنها «جميلة» فأنت على الأرجح أمام جملة من جمل بارنوم.
  • احذر لغة الندرة: كلما زعمت النتيجة أنك «نادر»، أو أنك من «أقل من 3% من الناس»، فاشتد في الحذر، فالندرة المزعومة تُرضي غرور القارئ، وهي التي تجعله يصدّق دون فحص.

وهذه القواعد تنطبق على نسار قبل غيره، ومن حق القارئ أن يعرف ما حاولناه، فكل تفسير في نسار يُكتب في أربع طبقات معا: كيف تظهر السمة، وما القيمة التي تقدمها، ومتى تنقلب على صاحبها، وكيف يتصرف صاحبها تحت الضغط؛ والطبقتان الثالثة والرابعة هما ما يحمينا من بارنوم، فالنص العام لا يستطيع أن يكتب «متى ينقلب هذا السلوك عيبا» بجملة تصدق على الجميع.

فلو كتبنا: «صاحب سمة المتعلم ينزلق إلى السطحية إذا أدمن القفز من مجال إلى مجال دون أن يتم واحدا منها»، لما صدقت الجملة على صاحب سمة المجمّع، ولا على صاحب سمة المنجز، ولا على صاحب سمة المنضبط؛ فهي تصدق على نمط محدد، وما يصدق على نمط محدد لا يصدق على الجميع.

والبنية نفسها تفرض هذا الفصل، فلكل نمط من الأنماط الستة عشر، ولكل سمة من السمات الأربع والثلاثين، طبقة خاصة به من سلوك الانقلاب وسلوك الضغط، فيلزم الكاتب أن يختار، إذ لا يستطيع أن يكتب جملة تصدق على الكل وهو يكتب أربعا وثلاثين مرة، والتشابه بين النصوص سيفضحه؛ وهذه الحماية في البنية أقوى من أي شعار، ولا ندّعي أن نسار معصوم من الخطأ، فالذي ندّعيه أن المنصة بُنيت لتجعل هذا النوع من الخطأ أصعب من أن يمر دون أن يُنتبه له.

والجملة التي ينبغي أن يفتقدها القارئ في وصفه هي جملة الانقلاب: متى يصير هذا السلوك نفسه ضعفا بعد أن كان قوة؟ ومتى يفشل صاحبه؟ ومتى يُتعب من حوله؟ فالنص الذي يتجنب هذه الأسئلة نص من نصوص بارنوم في صورتها التجارية، والكتابة العلمية الجادة تذكرها صراحة، لأن التنبيه إلى الانقلاب أنفع للقارئ من المدح المطلق؛ وما الذي تنفعك معرفتك بأنك «تتمتع بالحدس» إن لم تعرف متى يخذلك هذا الحدس؟

ولا يُهزم أثر بارنوم بالحذر وحده، فهو يُهزم بتدريب العين: كلما قرأت وصفا عن نفسك فاسأل السؤال الذي طرحه فورير على طلابه ضمنا سنة 1948: لو أعطيت هذا الوصف نفسه لزميلي، أكان سيجد نفسه فيه؟ فإن كان الجواب نعم فالوصف لا يخصك؛ وهذا السؤال تدريب على التمييز بين نص يفهمك ونص يلائمك، والأول قليل، والثاني سهل التزييف.

فإذا نجحت في هذا التمييز تحولت نتائجك من تأكيد يريحك إلى أداة تنفعك: احتفظ بالأجزاء التي اجتازت السؤال، واترك ما عداها، فالتحليل الذي يصمد أمام سؤال «هل ينطبق على زميلي؟» يستحق أن تقرأه مرة ثانية، لأنه قد يكون نصا يفهمك حقا.

وهذا هو الفرق الذي أراد أستاذ أمريكي غير مشهور أن يلفت إليه سنة 1948، حين كتب الرقم 4.26 في دفتره، ونظر إلى طلابه وقد أجمعوا على أن التحليل يصفهم بدقة نادرة: كان يصفهم جميعا، ولأنه يصفهم جميعا لم يكن يصف أحدا.

  1. Forer, B. R. (1949). The fallacy of personal validation: A classroom demonstration of gullibility. Journal of Abnormal and Social Psychology, 44(1), 118–123. https://doi.org/10.1037/h0059240
  2. Meehl, P. E. (1956). Wanted—a good cookbook. American Psychologist, 11(6), 263–272. https://doi.org/10.1037/h0044164