MBTI أم Big Five: ماذا يختلف؟

مقارنة · نحو 6 دقائق قراءة

في سبتمبر عام 2013 نشر أستاذ في كلية وارتون لإدارة الأعمال، في بنسلفانيا، مقالة في مجلة Psychology Today بعنوان صادم: «وداعا لـMBTI: الموضة التي تأبى أن تموت»، وكانت المقالة قصيرة، لكنها أطلقت موجة من الكتابات والمقابلات ما زالت تتكرر إلى اليوم؛ والأستاذ هو آدم غرانت، عالم النفس التنظيمي الأكثر قراءة على الإنترنت، والاختبار الذي ينعاه هو الاختبار نفسه الذي تشير تقديرات متداولة إلى انتشاره في أقسام الموارد البشرية في كثير من كبرى الشركات، والتناقض بين شهادة الأكاديمي وواقع الصناعة هو ما يستحق التفسير.

وشبّه غرانت في تلك المقالة قياس الشخصية بـMBTI بأن تتخذ كعكة الزفاف تفسيرا للزواج، وصار تشبيهه يتردد كثيرا في نقد المقياس، وهو تشبيه هجومي، لكن وراءه رقما محددا: نحو خمسين بالمئة ممن يؤدون MBTI مرتين بينهما خمسة أسابيع يحصلون في المرة الثانية على نمط آخر، يختلف في حرف واحد من الأربعة على الأقل؛ ونشر هذا الرقم ديفيد بتنغر (David Pittenger) في ورقته المشهورة عام 1993، وأُعيد التحقق منه في دراسات لاحقة.

ومع ذلك ما زالت الأحرف الأربعة تتصدر التعارف بين الشباب العرب في تويتر وتيك توك؛ فلماذا ينجو الاختبار الضعيف في الإحصاء، مع أن الاختبار الأقوى منه يكاد يكون مجهولا خارج الجامعات؟

والاختبار الأقوى اسمه غير محبب: «نموذج العوامل الخمسة الكبرى» (Big Five أو OCEAN)، ولا يملكه أحد، ولا تسوّقه شركة، فقد خرج من مختبرات علم نفس الشخصية في الثمانينيات، بعد عقود من تحليل الصفات التي يستعملها الناس في لغتهم ليصف بعضهم بعضا، وهي طريقة تأسست مع لويس غولدبرغ (Lewis Goldberg) في الجامعة، ثم صاغها بول كوستا وروبرت ماكري (Costa & McCrae) في أداة معروفة باسم NEO-PI-R.

ويقيس النموذج خمسة أبعاد، فلا يفصل الناس في صناديق، ويرتبهم في كل بعد على متصل من صفر إلى مئة، والأبعاد الخمسة هي الانفتاح على التجربة ويقظة الضمير والانبساط والتوافق والعصابية؛ فكل شخص نقطة في فضاء خماسي، ولا يُختزل في حرف من مجموعة، ولأن القياس متدرج يعيد التكرار في العادة الموقع نفسه تقريبا، ولا يقفز بصاحبه من فئة إلى أخرى.

ولا يقف الفرق بين النموذجين عند ثبات النتيجة، فهو يمتد إلى قدرتها على التنبؤ: فإذا سألت في المجال الأكاديمي: كم تتنبأ نتيجة الاختبار بما يُلاحظ في حياة صاحبه بعد سنوات، كالأداء الوظيفي والصحة وطول العمر واستقرار الزواج؟ تنبأ بها Big Five أدق، وبفارق واضح، ويقظة الضمير خاصة من أكثر سمات الشخصية ارتباطا بالأداء المهني والصحة على المدى الطويل، في مراجعات بحثية متعددة.

أما MBTI فالأدبيات الأكاديمية المحكمة تجد ارتباطه بالأداء أصغر بكثير، وتأخذ عليه غياب البعد الخامس الذي يشمله Big Five ولا يشمله MBTI: العصابية، أي الاستعداد للقلق والاضطراب العاطفي؛ وهذا البعد وحده من أقوى المتنبئات النفسية، فغيابه عن MBTI يترك زاوية كاملة من الشخصية خارج الإطار.

والفرق الثاني الذي يذكره الباحثون أقل شهرة من مسألة الثبات، ولا يقل عنها أهمية، وهو شكل النتيجة: فـMBTI يفرض ثنائية على متصل سلوكي لم يكن ثنائيا في أصله، فمن أجاب بنسبة 100% نحو الانبساط، ومن أجاب بنسبة 52%، يخرج كلاهما بحرف E، مع أن المسافة بينهما في الواقع أوسع من المسافة بين 52% و48%، أي بين شخصين يضع الاختبار أحدهما في E والآخر في I.

وهذه القطيعة عند منتصف الطيف تصنع وهما إحصائيا: تُظهر المتقاربين مختلفين تماما، وتُظهر المتباعدين متطابقين، ويتجنب Big Five هذا الوهم بطبيعته، لأنه يسجل الرقم كما هو، فتبقى المسافات الحقيقية محفوظة؛ وهذه النقطة وحدها تفسر لماذا تأتي أكثر النتائج المتناقضة في إعادة الاختبار من أشخاص نسبهم قريبة من 50% على أحد المحاور، فتغيّر بسيط في السلوك يوم الاختبار ينقل الحرف من جهة إلى جهة، والرقم الحقيقي لم يتحرك إلا بضع نقاط مئوية.

فلماذا يبقى MBTI مطلوبا مع ذلك؟ يبقى مطلوبا لثلاثة أسباب:

  • سبب لغوي صرف: أربعة أحرف يسهل تبادلها في محادثة، فجملة «أنا INTJ» تصلح في غداء مع زميل، وجملة «أنا في الشريحة العليا من يقظة الضمير، وفي الشريحة المتوسطة من الانفتاح» لا تصلح في أي غداء مع أي زميل، والذهن البشري يحب التصنيف، ويكره الطيف.
  • سبب تاريخي إداري: صُمم MBTI أصلا في الأربعينيات على يد كاثرين بريغز وابنتها إيزابيل مايرز ليكون أداة للتوظيف والتوجيه المهني، فصارت له شبكة ضخمة من المدربين والشركات والمؤسسات لا يملكها Big Five.
  • سبب نفسي: يعطي MBTI صاحبه قصة مسلية عن نفسه، مثل «المهندس» و«القائد» و«الوسيط»، ويعطيه Big Five خمسة أرقام بلا قصة، والناس يدفعون للقصة.

فهل يبقى لـMBTI قيمة بعد هذا؟ تبقى له قيمة، لأن الثنائيات الأربع التي يستعملها، الانبساط والانطواء، والحدس والاستشعار، والتفكير والمشاعر، والحكم والإدراك، تلتقي كلها بأربعة من أبعاد Big Five، بارتباطات إحصائية موثقة في عمل ماكري وكوستا (1989):

  • الانبساط: هو نفسه تقريبا في النموذجين.
  • الحدس والاستشعار: قريب من الانفتاح على التجربة.
  • التفكير والمشاعر: قريب من التوافق.
  • الحكم والإدراك: قريب من يقظة الضمير، والارتباط بينهما -0.49 في عينة الرجال.

فالذي يضيفه MBTI لغة سهلة للمعلومة نفسها، ولا يضيف معلومة جديدة، ولأن اللغة سهلة يدخل بها قارئ لم يكن ليدخل إلى العلم لولاها؛ ولهذا المدخل الأول قيمة تعليمية لا تُنكر، وإن كان المستقر الأخير يستحق الانتقال إلى منصة أقوى.

ومتى يُفضل أحدهما على الآخر؟ يُفضل كل منهما في موضعه، والمنطق العملي بسيط: إذا كان الغرض فهم النفس وفتح حوار في فريق صغير أو دائرة ضيقة كفى MBTI وأفاد، وإذا كان الغرض قرار توظيف، أو بحثا يدّعي العلمية، أو التنبؤ بنتيجة محددة كالتعثر في الزواج أو الأداء بعد خمس سنوات، فالاعتماد على MBTI ضعف في المنهج، وBig Five أصدق هنا، وإن كان أقل بريقا.

ففي الورقة المشهورة لروبرتس ودلفيكيو (Roberts & DelVecchio 2000) تتبع الباحثان ثبات الشخصية عبر العمر بأدوات من فئة Big Five، فوجدا أن ترتيب الفرد النسبي بين أقرانه في سماته يزداد ثباتا مع العمر باطراد، حتى يبلغ معامل الارتباط نحو 0.74 في منتصف العمر؛ وهذا رقم لا تنتجه أدوات تتغير نتيجتها في نصف الحالات بعد شهر.

وأين يقف القارئ العادي من هذه المعادلة؟ يقف في موضع ملتبس بعض الشيء، فالمحتوى المتداول عن الشخصية على الإنترنت يكاد ينحصر في MBTI بنكهته الشعبية، وأكثره منقول عن مواقع غير محكمة، أما الأدوات العلمية لـBig Five فلا تكون في العادة في يد القارئ مجانا، ويصل إليها الباحث الأكاديمي غالبا.

وهذا الفاصل فجوة في التوزيع، ولا يلزم أن يبقى: فالمعرفة المتاحة في الجامعة لا تصل إلى القارئ، فيكتفي بالمتاح، ويظن أن المتاح كل ما يملكه العلم؛ والقاعدة التي تنفعك أن تقرأ نتيجتك في MBTI لغة تتكلم بها، ولا تلتزم بها تشخيصا، ثم تبحث، إن أردت العمق، عن أداة من فئة Big Five تكمل الصورة، فالنموذجان يتكاملان في ذهنك ولا يتنافيان.

ومع نضج الجدل حول MBTI استقر كثير من نقاده على موقف أكثر تواضعا: للاختبار قيمة، وهي أقل مما يدّعي؛ فقد تغيرت النبرة قليلا، وبقي الموقف نفسه: العلم يتقدم بأدوات أدق، والصناعة تتأخر بأدوات أسهل، والقارئ مسؤول عن أن يعرف أيهما يستعمل، ولأي غرض.

فأنت في النهاية لست حرفا، ولست خمسة أرقام، فأنت إنسان يحتاج إلى لغة يصف بها نفسه للآخر، وإلى أدوات يفهم بها نفسه لنفسه، وكلاهما ضروري، ولا يتطابقان دائما؛ ومن عرف الفرق نجا من فخين: فخ تصديق الحرف بلا تحفظ، وفخ رفضه بلا فائدة، وبين الفخين خمسة أرقام هادئة تنتظر القارئ الذي يجرؤ على تجاوز اللغة السهلة إلى الأداة الأدق.

  1. Grant, A. (2013, September 18). Goodbye to MBTI, the fad that won't die. Psychology Today. https://www.psychologytoday.com/us/blog/give-and-take/201309/goodbye-to-mbti-the-fad-that-wont-die
  2. Pittenger, D. J. (1993). Measuring the MBTI… and coming up short. Journal of Career Planning and Employment, 54(1), 48–52. https://eric.ed.gov/?id=EJ475507
  3. Goldberg, L. R. (1990). An alternative "description of personality": The Big-Five factor structure. Journal of Personality and Social Psychology, 59(6), 1216–1229. https://doi.org/10.1037/0022-3514.59.6.1216
  4. McCrae, R. R., & Costa, P. T. (1989). Reinterpreting the Myers-Briggs Type Indicator from the perspective of the five-factor model of personality. Journal of Personality, 57(1), 17–40. https://doi.org/10.1111/j.1467-6494.1989.tb00759.x
  5. Barrick, M. R., & Mount, M. K. (1991). The Big Five personality dimensions and job performance: A meta-analysis. Personnel Psychology, 44(1), 1–26. https://doi.org/10.1111/j.1744-6570.1991.tb00688.x
  6. Roberts, B. W., & DelVecchio, W. F. (2000). The rank-order consistency of personality traits from childhood to old age: A quantitative review of longitudinal studies. Psychological Bulletin, 126(1), 3–25. https://doi.org/10.1037/0033-2909.126.1.3