المتعلم أم المجمع؟

كليفتون للقوى · نحو 5 دقائق قراءة

تخيّل أنك تعرف رجلين في الثلاثين. الأول يجلس أمام بطاقات ورقية صغيرة كتب عليها كلمات يابانية، وقد أعطى نفسه ثلاثة أشهر يخرج بعدها قادرًا على حوار بسيط. فلما انتهت الأشهر الثلاثة ترك اليابانية، وانتقل إلى رمي السهام، ثم إلى الطبخ. وهكذا يفعل في كل مجال يدخله، يقيم فيه أشهرًا يتعلمه بترتيب، ثم ينصرف عنه إلى غيره.

والذي يستهويه في كل مجال هو الطريق نفسه، من «لا أفهم شيئًا» إلى «بدأت أميز». فهذه الأسابيع الأولى أحب أيامه إليه. فإذا صار قادرًا على ما تعلمه فتر حماسه، ولو كان راضيًا عما وصل إليه. فالوصول عنده أقل شأنًا من الطريق، والجائزة التي يطلبها هي أن ينتقل من الجهل بالشيء إلى القدرة عليه.

أما الرجل الثاني فيخلو بنفسه مرتين في السنة، أسبوعًا في كل مرة، في مكان هادئ. ويحمل معه صناديق من الأوراق البحثية والكتب والتقارير، في موضوعات لا يجمعها شيء. فيقرأ ساعات طويلة كل يوم، ويكتب في الهوامش، ويحفظ ما يجده في ملفات مرتبة، يعرف وحده أين يجد كل ورقة فيها.

والذي يفعله الثاني في تلك الأيام غير الذي يفعله الأول. فهو لا يطلب مهارة يتقنها، ويطلب رصيدًا ينتظر وقت الحاجة إليه. فالمقالة التي يحفظها اليوم قد يحتاجها بعد شهر أو بعد سنة، أو يحتاجها صديق يسأله عنها. فيخرجها له كما هي، ويفرح بأنها كانت عنده، ولو لم يكن قد قرأها كاملة.

ومن الخارج لا يظهر الفرق بين الرجلين. فكلاهما يقرأ كثيرًا، وكلاهما يوصف بأنه فضولي يحب المعرفة. ومن يرى نفسه في إحدى الصورتين قد يظنهما صورة واحدة، وقد ظن ذلك بعض خبراء القياس أنفسهم، كما سيأتي. فأي الرجلين أقرب إليك؟

فالذي يحرّك الرجل الأول في مقياس كليفتون للقوى هو سمة المتعلم، والذي يحرّك الثاني هو سمة المجمع. والسمتان عند Gallup، الشركة التي تملك المقياس، من مجال واحد، هو مجال التفكير الاستراتيجي. لكن ما يدفع صاحب كل سمة منهما مختلف.

تصف Gallup صاحب المتعلم بأن عنده رغبة كبيرة في أن يتعلم، وأنه يريد أن يتحسن باستمرار، وأن التعلم نفسه يثيره أكثر من نتيجته. وتصف صاحب المجمع بأنه يحتاج إلى أن يجمع ويحفظ. فهو يجمع المعلومات والأفكار والأشياء، وقد يجمع العلاقات أيضًا. ويضيق بألا يكون عنده شيء يحتاجه غيره.

ويختصر أحد مدربي Gallup الفرق في صورة يعترف بأنها مبسطة: الدرس للمتعلم، والكتب التي تُقرأ للدرس للمجمع. فصاحب المتعلم يطلب الطريق إلى الإتقان، ويتعلم بقصد وترتيب، ويتعمق في موضوع واحد حتى يقدر عليه. وصاحب المجمع يطلب المعلومة والأداة والمورد النافع، ويجمع جمعًا واسعًا عمليًا من موضوعات كثيرة.

فلماذا يترك صاحب المتعلم مجالًا اختاره بنفسه، مع أنه استمتع بأيامه الأولى فيه؟ يتركه لأن الطريق انتهى. ومن هنا يأتي فرق تذكره الشركة، هو أن المتعلم قد يتقن الشيء ثم ينساه، والمجمع يحفظه لحاجة قادمة. فعلامة صاحب المتعلم أن متعته تنقضي حين يصير قادرًا على ما تعلمه. وعلامة صاحب المجمع أن طمأنينته تبقى ما بقي الرصيد عنده، ولو لم يستعمل منه شيئًا.

ويظهر الفرق أوضح حين يضيق الوقت. فصاحب المتعلم إذا تكررت عليه المهام نفسها أرهقه الملل سريعًا، لأنه يحتاج إلى أن يلقى الجديد. وقد لا يفهم زملاؤه سبب إرهاقه. وصاحب المجمع إذا طُلب منه أن ينفذ قبل أن يكمل الجمع شعر بأنه يتكلم دون مرجع، فيؤخر القرار حتى يقرأ مقالة أخرى. ولهذا ينصحه كتاب StrengthsFinder 2.0 بشريك يحمل سمة المركز أو سمة المنضبط.

والسمتان من أقرب سمات مجالهما بعضها إلى بعض. فارتباط درجتيهما في بيانات Gallup 0.57. ونشرت الشركة سنة 2022 أن 44.2% ممن في أعلى ترتيبهم سمة المجمع معهم سمة المتعلم أيضًا. وقد اقترح بعض خبرائها أن تُدمج السمتان إن نقصت السمات إلى ثلاث وثلاثين. واعترض على ذلك مدرب آخر، والسمتان ما زالتا سمتين في المقياس.

وتنشر الشركة جدولًا يبين كم تفترق بنود كل سمة عن بنود غيرها. وفيه أن بنود المتعلم لا تُنسب إلى سمتها الصحيحة، إذا قورنت بالمجمع، إلا في 73% من الحالات، وهو أضعف حد بين سمتين في المجال. فإن ترددت بين السمتين فلست وحدك، لأن المقياس نفسه يصعب عليه أن يفصل بينهما، والذي يفصل بينهما هو خبرتك أنت. ومع ذلك فالمتعلم أثبت السمات كلها في موضعه من الترتيب عند إعادة المقياس.

وكلتا السمتين تنفع صاحبها إذا كان معه شريك من الجهة الأخرى. فصاحب المتعلم يحتاج إلى صاحب المجمع ليأتيه بالمادة، ويحفظ ما تعلمه. وصاحب المجمع يحتاج إلى صاحب المتعلم ليتقن مما جمعه ما يستحق الإتقان. فإن اجتمعت السمتان في شخص واحد، فالخطر أن يكثر الجمع والدرس، ويتأخر القرار.

ولهذا معنى عملي لمن يقرأ نتيجته:

  • من كانت سمة المتعلم في خمسه الأولى: فلا ينتظر من نفسه أرشيفًا منظمًا، ولا ذاكرة تحفظ كل ما قرأ، لأن متعته في الطريق. وينفعه أن يختار أعمالًا تتبدل، ومشروعات قصيرة يتعلم فيها كثيرًا في وقت قصير.
  • من كانت سمة المجمع في خمسه الأولى: فلا ينتظر من نفسه أن يتقن كل ما يجمعه، لأن ما يجمعه رصيد ينتظر وقت الحاجة إليه. وينفعه أن يرتب ما يجمعه حتى يجده حين يحتاجه، وأن يسأل نفسه: لمن أحفظ هذا؟ وفي أي عمل سأخرجه؟

والوصف المتداول يخلط بين السمتين، فيكتب «أنت شخص محب للمعرفة» في وصف يصدق على الاثنين. وهذا الخلط يحرم القارئ من السؤال الذي يفصل بينهما: هل متعتك في الطريق إلى أن تعرف، أم في أن يكون الشيء عندك حين تحتاجه؟ فإن كانت متعتك في الطريق فالمتعلم أقرب إليك. وإن كانت في الرصيد فالمجمع أقرب. وقد تجد في نفسك الاثنين.

وصاحب البطاقات اليابانية، بعد عشر سنوات من تجربته، قد لا يتذكر من اللغة إلا كلمات قليلة. ولن يحزنه ذلك، فهو لم يتعلمها ليحفظها. فقد كان يطلب الطريق ثم ينصرف عنه، واللغة عنده وسيلة إلى متعة التعلم.

فإن كنت قد عرفت نفسك في قصته أول المقالة، فقد عرفت سمتك. ونسيانك ما تعلمته بعد سنوات لا يعني أنك فشلت فيه. فهذه طبيعة الطريق عند صاحب المتعلم، وقد أخذ متعته منه في وقتها.

  1. Gallup. (n.d.). Learner theme. https://www.gallup.com/cliftonstrengths/en/252293/learner-theme.aspx
  2. Gallup. (n.d.). Input theme. https://www.gallup.com/cliftonstrengths/en/252278/input-theme.aspx