
نموذج هولاند: كيف نشأ، وماذا يقول عنه النقد العلمي؟
من أين جاءت الفكرة؟
بدأت نظرية جون هولاند (John L. Holland) من الميدان، ففي خدمته بالجيش الأمريكي إبان الحرب العالمية الثانية عمل مقابلا للتصنيف، يفرز المجندين على المهام، فلاحظ أن الناس يتجمعون في عدد محدود من الأنماط المهنية بحسب توجههم السلوكي.
وحملته هذه الملاحظة إلى الدكتوراه في علم النفس الإرشادي بجامعة مينيسوتا، في تقليد علمي يُعرف بالتجريبية الصارمة (dust-bowl empiricism)، ودرس في بحثه هناك كيف تتنبأ سمات الشخصية بإنتاج الفنانين، فترسخت عنده الفرضية التي بنى عليها كل ما جاء بعدها، وهي أن الميول المهنية وجه من وجوه الشخصية، تعبّر عنها وتتجذر فيها، ولا تقوم بمعزل عنها؛ ثم صاغ نظريته أول مرة في مقالته «نظرية في الاختيار المهني» عام 1959، وحوّلها إلى أداة عملية في «استبيان التفضيل المهني» (VPI)، ثم في أداته الأشهر «البحث الذاتي الموجه» (SDS) عام 1971.
ما المشكلة التي حلها؟
لماذا احتاج الإرشاد المهني إلى أداة جديدة، مع أن أدواته كانت قائمة قبل هولاند؟ احتاج إليها لأن تلك الأدوات كانت ثقيلة، مثل استبيان سترونغ (SVIB) وسجل كودر (KPR): فأما استبيان سترونغ فكان يحتاج إلى تصحيح خارجي يؤخر النتيجة، وأما سجل كودر فكان يصححه صاحبه، ولم يصف أي منهما البيئات بلغة الأشخاص أنفسهم؛ وكانت مقاييسها مرتبطة بمهنة واحدة يصعب تعميمها، فلم تقدم إطارا موحدا يربط نتيجة الشخص بعالم العمل الواسع.
فحلّ هولاند مشكلة الترجمة هذه: صمم أداة يصححها صاحبها فيعرف نتيجته فورا، وجاء بما هو أهم منها، وهو تصنيف واحد يصف الأشخاص والبيئات بلغة واحدة؛ فبدل أن يكون للناس لغة وللوظائف لغة أخرى، صار النمط نفسه، كالباحث مثلا، يوصف به الإنسان وتوصف به البيئة، فيصير التطابق بينهما مباشرا.
ما فكرة التطابق بين الشخص والبيئة؟
تقوم النظرية على ستة أنماط تُختصر بحروفها: الواقعي (R) والباحث (I) والفني (A) والاجتماعي (S) والمقدام (E) والتقليدي (C)، والإنسان قلّما يكون نمطا خالصا، فتُرتَّب نتائجه على الأنماط الستة من الأعلى إلى الأدنى، ويؤخذ من القمة رمز من حرفين أو ثلاثة، أولها الغالب؛ فرمز «SEA» مثلا يصف شخصا يغلب عليه ميل المساعدة والتعليم (S)، يليه ميل الإقناع والقيادة (E)، ثم تقدير الحرية الإبداعية (A).
وهنا حد يجب ألا يفوت القارئ: الرمز يصف ما يستمتع به الإنسان ويميل إليه، ولا يدل بالضرورة على ما يجيده، ولا يضمن له النجاح، فالميل شيء والقدرة شيء آخر، وإلى هذه النقطة يعود النقد العلمي بقوة؛ ثم تأتي ثلاثة مفاهيم بنيوية تقيس جودة الصورة:
- الاتساق (consistency): مدى انسجام عناصر الرمز، ويُقاس بقرب الحرفين الأولين على السداسي، فالرمز المنسجم تتكامل ميوله، فيسهل أن تجمعها بيئة واحدة.
- التمايز (differentiation): مدى وضوح الصورة، ويُحسب بالفرق بين أعلى مقياس وأدناه؛ فالصورة الواضحة قمة حادة تعني ميولا محسومة، والصورة المنبسطة ميول متقاربة، تعني تعدد القدرات أو قلة الخبرة بعالم العمل.
- التطابق (congruence): مدى تلاؤم رمز الشخص مع رمز بيئته؛ فالتطابق العالي يمد صاحبه بما يقدّره من فرص وأقران ومكافآت، فيقل الاحتكاك، والتطابق المنخفض يفرض عليه أن يكيّف سلوكه باستمرار.
ما السداسي، وكيف يُحسب به التطابق؟
لم يكن السداسي جزءا من صياغة 1959، فقد ظهر رياضيا قرابة عام 1969، حين حلل هولاند وزملاؤه أنماط الترابط بين مقاييس VPI، فلاحظوا أن الأنماط الستة تترتب في حلقة؛ ومن هذه الملاحظة وُلد السداسي: شكل يرتب الأنماط في اتجاه عقارب الساعة R-I-A-S-E-C، وتعبّر فيه المسافة على الشكل عن التشابه النفسي، فإذا اقترب نمطان زاد اشتراكهما في الميول والقيم والبيئات المفضلة، وإذا تباعدا قلّ الارتباط بينهما:
- الأزواج المتجاورة، مثل R-I وS-E: أكثرها اشتراكا.
- الأزواج المتناوبة، ويفصل بين طرفيها نمط واحد، مثل R-A وI-S: اشتراكها متوسط.
- الأزواج المتقابلة على طرفي السداسي، مثل R-S وI-E: أقلها اشتراكا، وميولها متعارضة.
ورسم السداسي يوحي بأن أضلاعه متساوية، والبنية التي وجدها الباحثون ليست كذلك، وهذه نقطة محورية في النقد العلمي كما سيأتي؛ ويُحسب التطابق من السداسي بطرق عدة، أبسطها مؤشر يعطي الزوج المتطابق ثلاث نقاط، والمتجاور نقطتين، والمتناوب نقطة، والمتقابل صفرا، ثم تُجمع النقاط، ومنها طرق أدق، مثل مؤشر إيخان (Iachan) الذي يوازن الفروق بين أعلى الأنماط.
كيف تطورت النظرية؟
لم تبق النظرية على صورتها الأولى، ففي مراجعتها الأولى عام 1966 شُحذ مفهوم البيئة، واعتُمدت تسميات RIASEC، ثم ظهر السداسي بين 1969 و1973، وتشكّل حسابه؛ والأهم في التطور اللاحق أن هولاند نفسه، في مراجعتي 1985 و1997، خفّض من شأن الاتساق بعد أن جاء سنده التجريبي مضطربا، ورفع في المقابل من شأن «الهوية المهنية» (vocational identity)، وهي وضوح أهداف الإنسان وميوله ومواهبه، واستقرارها.
وقد يرى القارئ في هذا التراجع ضعفا في النظرية، وهو في الحقيقة تواضع علمي، وأن يتراجع صاحب النظرية عن مفهوم لم تسنده الأدلة علامة على متانة منهجه.
ما الذي يؤخذ على النموذج؟
ينصف أداة القياس النفسي أن تُعرض مع نقدها، ونموذج هولاند من أكثر النماذج بحثا ونقدا، وتجتمع المآخذ عليه في ثلاثة محاور.
الأول، شكل السداسي: الترتيب الدائري للأنماط، أي أن المتجاور أقوى ترابطا من المتباعد، يتكرر في الدراسات على نطاق واسع، وله سند قوي، أما الافتراض الهندسي الصارم، أن المسافات بين الأضلاع الستة متساوية تماما، فيفتقر إلى سند قوي من التحليل العاملي؛ ولهذا يصف الباحثون البنية الحقيقية بأنها دائرية الانتظام (circumplex)، أو «مضلع مشوه»، فمسافة الواقعي عن التقليدي مثلا أوسع غالبا مما يفترضه النموذج.
والخلاصة التي استقر عليها كثير من الباحثين أن نموذج هولاند نموذج «ترتيب» له سند قوي، وأن السداسي المتساوي الأضلاع لا يصدق عليه؛ وقد طُرحت بدائل ترى أن الأنماط الستة تحجب أبعادا أعمق، أبرزها نموذج Prediger الذي يردها إلى محورين: البيانات مقابل الأفكار، والأشياء مقابل الناس، ومعه نماذج Tracey وRounds الدائرية.
الثاني، ضعف التنبؤ: صُمم النموذج أصلا نظرية في «الاختيار» المهني، فهو يتنبأ بالبيئات التي ينجذب إليها الإنسان ويرضى عنها، ولم يُصمم ليتنبأ بأدائه فيها؛ والتطابق الأعلى يتنبأ فعلا برضا وظيفي أعلى واستقرار أكبر، لكن قوة هذا التنبؤ متواضعة، فقد بيّن تحليل بعدي (Tsabari وزملاؤه، 2005) أن متوسط الارتباط بين التطابق والرضا الوظيفي لا يتجاوز 0.17، ووجد تحليل بعدي أوسع (Hoff وزملاؤه، 2020، 105 دراسات) أن التطابق يتنبأ بالرضا، وأقوى ما يكون مع الرضا عن اختيار المهنة.
فإن قلت: إذا كان الإنسان يرضى في البيئة التي تشبه ميوله، أفلا يرتبط أداؤه بها أيضا؟ يرتبط، والارتباط متواضع، والمسألة محل نقاش: وجد Van Iddekinge وزملاؤه (2011) ارتباطا متواضعا بين الأداء والميول، 0.14 للمقياس المفرد، ثم وجد Nye وزملاؤه (2017، 92 دراسة) أن التطابق أقوى من الدرجات المفردة، 0.32 مقابل 0.16؛ فالتطابق أنفع هنا من الحرف الواحد.
وخلاصة هذا المحور أن RIASEC يقيس الميل، ولا يقيس القدرة، فالميل يحرك الدافع إلى اكتساب المهارة، ولا يضمن الأداء؛ وهذا ما نراه كل يوم: نحب أعمالا لا نتقنها، ونتقن أعمالا لا نحبها.
الثالث، حدود الصلاحية عبر الثقافات: لا ينطبق الترتيب الدائري لـRIASEC بالجودة نفسها في كل مكان، ففي تحليل لـ76 مصفوفة من 18 بلدا (Rounds وTracey، 1996) انطبق الترتيب الدائري على بيانات البلدان الأخرى، وعلى بيانات الأقليات داخل الولايات المتحدة، أقل مما انطبق على بيانات الأغلبية الأمريكية.
ولهذا أثر عملي مباشر، فتعريفات هولاند للبيئات مرتبطة بسوق العمل الأمريكي في القرن العشرين، وحين يُنقل النموذج إلى سوق عمل آخر قد يحمل المسمى الوظيفي نفسه مهاما يومية مختلفة ومكانة اجتماعية مختلفة؛ فلا بد من تحليل محلي للوظائف قبل إسناد رموز البيئة، ولا يكفي أن يُنقل التصنيف الأمريكي حرفيا.
كيف نقرأ النموذج إذن؟
نموذج هولاند أداة قوية لفهم الميول وتوجيه التفكير المهني، ولا يتنبأ بالنجاح، ولا يقيس القدرة، وقيمته في أنه يعطي لغة مشتركة تصف الإنسان والبيئة معا، فيصير سؤال «أين أزدهر؟» سؤالا يُبحث بالأدلة، ولا يُترك للحدس وحده؛ والقراءة الناضجة له تأخذ ترتيبه الدائري المتين، وتتحفظ على حرفية السداسي المتساوي، وتتذكر أنه يقيس ما يحرك الإنسان، ولا يقيس ما يجيده، وأنه يحتاج إلى معايرة محلية حين يُنقل إلى سياق غير الذي وُلد فيه.