هولاند
الميل والقدرة: لماذا يقيس هولاند واحدا منهما فقط؟
نحو ٧ دقائق قراءة
كثيرا ما يلتقي مستشارو التوجيه المهني بالحالة نفسها في عيادتهم: شخص في الثلاثين من عمره، أكمل الماجستير في علم الأحياء الجزيئي، عمل ثلاث سنوات باحثا في مختبر جامعي، ثم خرج مستنزفا، يكتب في مذكراته أن كل يوم في المختبر كان عقوبة. الغريب أنه يحب الأحياء فعلا، يقرأ فيها مجانا في وقته الحر، يتابع مجلات الأكاديميا الجديدة، يتابع كل بودكاست فيه عالم خلية. لكن المختبر نفسه، الذي يفترض أنه الموقع الطبيعي لشخص مثله، كان يستنزفه. حين أعاد توجيه نفسه إلى الكتابة العلمية، ألف كتابا ميسرا عن الجينات للقارئ العام، فنجح. السؤال الذي يطرحه عليك المستشار في هذه اللحظة: ما الذي قاسه الاختبار المهني الذي قبل هذا الشخص في علم الأحياء، ولم يقسه؟
الاختبار الذي وجهه إلى الأحياء قاس شيئا واحدا: الميل. ولم يقس الكفاءة. لم يقس قدرته على الجلوس ثماني ساعات في صمت يكرر تجربة فاشلة. لم يقس قدرته على تحمل التأخر سنوات بين فرضية ونتيجة. لم يقس قدرته على التواصل غير الاجتماعي الذي تفرضه الزمالة المختبرية. هذه الكفاءات مختلفة عن الميل، ولا يقيسها أي اختبار من فئة هولاند (Holland). هذا التمييز بسيط نظريا، ويقع ملايين الناس في خطأ تجاهله عمليا.
النموذج المعروف باسم هولاند صاغه عالم نفس أمريكي هو جون هولاند (John L. Holland) في ورقته الأكاديمية الأولى عام ١٩٥٩ في «مجلة علم النفس الإرشادي» (Journal of Counseling Psychology) تحت عنوان «نظرية في الاختيار المهني» (A Theory of Vocational Choice). كانت النظرية بسيطة في صورتها الأولى وبقيت بسيطة في صورتها النهائية: الناس ينقسمون إلى ستة أنواع من الميول، وكذلك بيئات العمل تنقسم إلى ستة، والكفاءة المهنية تنشأ من التطابق. الأنواع الستة هي الواقعي (Realistic)، الباحث (Investigative)، الفني (Artistic)، الاجتماعي (Social)، المقدام (Enterprising)، التقليدي (Conventional). الحروف الأوائل تختصر في الكلمة المعروفة RIASEC. وحين أطلق هولاند بعد ذلك أداة «البحث الموجه ذاتيا» (Self-Directed Search) عام ١٩٧١، فتح بها باب تطبيق شعبي لنظريته. من هذه الأداة تنحدر معظم اختبارات الميول المهنية في الإنترنت اليوم، بما فيها ما يستخدم في نسار.
هولاند نفسه كان واضحا في كل كتاباته أن ما يقيسه هو الميول، لا القدرات. كتب في تأطيره النظري أن الاختيار المهني يعكس الشخصية أكثر مما يعكس الذكاء. هذا تأطير معتنى به: الميل توجه القلب، الكفاءة نتاج الذكاء والممارسة. ولا تلازم بينهما ضروريا. شخص يحب القراءة لا يلزم أن يجيد الكتابة. شخص يكره الرياضيات يتفوق فيها إذا أجبرته ظروفه. حب الشيء وإجادته نمطان مختلفان من العلاقة بالشيء. اختبار هولاند قرر منذ البداية أن يتخصص في الأول، تاركا الثاني لأدوات أخرى.
أخذت هذه النقطة عالمة النفس ليندا غوتفريدسون (Linda Gottfredson) في جامعة ديلاوير، في بحث امتد ثلاثة عقود. نشرت في التسعينيات سلسلة أوراق بينت فيها أن إغفال الفرق بين الميل والقدرة هو أكبر مصدر فشل في التوجيه المهني المدرسي. الطلاب يختبرون على ميولهم، يوجهون على ضوء النتيجة، فيدخلون تخصصات يحبونها لكنهم لا يجيدون ممارستها المهنية. غوتفريدسون اقترحت أن يضاف إلى مخرجات اختبارات الميول دائما قراءة مسبقة للكفاءات المعرفية والشخصية. حين تلتقي القراءتان، النتيجة صدفة سعيدة. حين تتناقضان، النتيجة مسار تحت خطر التعثر. الذي يحب الواقعي (Realistic) ولا يملك الكفاءة اليدوية، سيفشل في النجارة. الذي يحب الاجتماعي (Social) ولا يملك مهارة التعاطف، سيفشل في التدريس. الحدث المتكرر: الميل يدفع نحو المجال، ثم يكتشف صاحبه بعد سنوات أنه لا يملك العدة التي يتطلبها المجال في الممارسة.
أسوأ خلط يمكن أن يقع فيه قارئ نتيجته في هولاند هو أن يتلقى الشفرة الثلاثية («IAR»، «SEC»، «EIA»…) ثم ينظر إلى قائمة المهن المقترحة جانب كل شفرة كأنها مهن يستطيع أدائها. القائمة ليست قائمة مهن يستطيع أدائها، هي قائمة مهن سيستمتع بها إذا أجادها. الفرق بين الجملتين فرق شاسع. الإجادة شرط للوصول، الاستمتاع شرط للاستمرار. من أجاد بلا ميل، أنجز ثم احترق وترك. من مال بلا إجادة، حاول ثم تعثر وترك. الناجح مهنيا على المدى الطويل هو من تلتقي عنده الإجادة بالميل، فيأكل الميل التعب الذي تفرضه الإجادة، وتأكل الإجادة الإحباط الذي يفرضه الميل بدون عدة.
الأبحاث الطولية في علم النفس المهني تكشف فرقا آخر بين الميل والكفاءة جديرا بالإشارة. سجلات إدوارد سترونغ (Edward Strong) الذي صمم أول اختبار مهني منهجي في الولايات المتحدة سنة ١٩٢٧، ثم أتبعها بدراسة طولية تتبعت نفس المختبرين على مدى ثلاثين سنة، أظهرت أن الميل المهني مستقر بمعدل ملحوظ بعد الثامنة عشرة. الذي يحب مجال البحث والتحليل في العشرين يستمر في حبه غالبا في الخمسين. الكفاءة في المقابل لا تتبع نفس المنحنى: تتطور بالممارسة، وتتراجع بالإهمال، وتدخلها عوامل كالصحة والظروف الأسرية والتدريب المهني. هذا يعني أن نتيجة هولاند تخبرك بشيء ثابت نسبيا فيك (الميل لا يتغير كثيرا مع السنين)، لكنها لا تخبرك بما تستطيع تطويره. الذي يملك الميل ولا يملك الكفاءة اليوم، يملك الكفاءة بعد سنتين من التدريب الجاد. والذي يملك الكفاءة ولا يملك الميل، يتقن العمل سنوات، لكنه يظل غريبا عنه. هذا التفاوت في منحنى التطور يجعل الميل أقرب إلى البوصلة، والكفاءة أقرب إلى المركبة. كلتاهما لازم، لكن الواحدة لا تحل محل الأخرى.
أي قراءة صحيحة لنتيجة هولاند تستلزم إذا إكمال الصورة بسؤالين أو ثلاثة لا يطرحها الاختبار نفسه. أولا: في هذا المجال الذي ملت إليه، ما المهارات العيانية التي يتطلبها العمل اليومي، وما مستواي الحالي فيها؟ ميل إلى الباحث (Investigative) في علوم الحاسب لا يكفي إذا لم تكن المنطق الرمزي والرياضيات متاحة ليدك. ثانيا: هل أستطيع تحمل نوع الإحباط الخاص بهذا المجال؟ كل مجال له إحباطه: المختبر إحباطه التكرار، التدريس إحباطه عدم استجابة الطلاب، المحاماة إحباطها الإجراءات. الميل ينفع في الأوقات الجيدة، الكفاءة تنفع في الأوقات السيئة. ثالثا: هل خبرني المجال نفسه أني أجيده، أم خبرني فقط أني أحبه؟ التجربة الميدانية، حتى لأيام قليلة، تكشف ما لا يكشفه ساعتان أمام الاختبار.
ضمن البيئة السعودية، يكتسب هذا التمييز أهمية عملية مضاعفة. سوق العمل في حالة تحول سريع، مهن تنشأ وأخرى تختفي خلال خمس سنوات. الذي يختار تخصصه على أساس ميل مطلق دون سؤال الكفاءة، يدخل سوقا متغيرا بمعلومة ناقصة. والذي يختاره على أساس الكفاءة وحدها دون سؤال الميل، يجد نفسه يجيد مهنة يكرهها، فيتركها لاحقا بكلفة كان يمكن تجنبها. الجمع بين القراءتين ليس رفاهية، هو الحد الأدنى لقرار مهني مسؤول. واختبار هولاند واحد من قراءتين، لا قراءة مكتملة في نفسها.
من يقرأ شفرته السداسية في نسار، ينبغي أن يقرأها على أنها خريطة لذة، لا خريطة نجاح. تخبره أين سيستفيق صباحا بشهية للعمل، لا أين سينجز العمل بكفاءة. والإكمال بأدوات أخرى — تقييم المهارات، تجربة ميدانية قصيرة، شهادة من رأى العمل فيه يوما كاملا — يغطي ما يتركه هولاند خارج إطاره. هذا ليس عيبا في الاختبار، هذا حدوده التي علنها صانعه قبل ستين سنة. الذي يقرؤه دون هذه الحدود يخرج بنتيجة مبتورة، وينسب البتر إلى الاختبار، والحقيقة أن البتر من قراءته هو، لا من الاختبار.
ذلك الباحث الذي ذكره المستشار في بداية الحديث، نجح في الكتابة العلمية لأنها التقت عنده نقطتان لم تلتقيا في المختبر: ميله البحثي (Investigative) الذي بقي يحب المعرفة العلمية، وكفاءته الاجتماعية في توصيلها التي لم يكن يحتاجها في المختبر. الاختبار قال له: ميلك بحثي. لكن الاختبار لم يقل له: لكن كفاءتك في تفسير العلم للعامة أعلى من كفاءتك في إنتاجه. الذي قال له ذلك ليس الاختبار، التجربة. وهذا هو ما يفصل النتيجة الصحيحة عن النتيجة الكاملة. الصحيحة تأتي من الاختبار، الكاملة تأتي من الاختبار والحياة معا.