
الميل والقدرة: لماذا يقيس هولاند واحدا منهما فقط؟
كثيرا ما يلتقي مستشارو التوجيه المهني في عياداتهم بالحالة نفسها: رجل في الثلاثين من عمره، أكمل الماجستير في علم الأحياء الجزيئي، وعمل ثلاث سنوات باحثا في مختبر جامعي، ثم خرج منه مستنزفا، يكتب في مذكراته أن كل يوم في المختبر كان عقوبة؛ والغريب أنه يحب الأحياء فعلا، فهو يقرأ فيها في وقت فراغه دون أن يتقاضى على ذلك شيئا، ويتابع المجلات الأكاديمية الجديدة، وكل بودكاست يتحدث فيه عالم خلية.
لكن المختبر نفسه، الذي يُفترض أنه الموضع الطبيعي لرجل مثله، كان يستنزفه، فلما وجّه نفسه إلى الكتابة العلمية ألّف كتابا ميسرا عن الجينات للقارئ العام، فنجح؛ والسؤال الذي يطرحه عليك المستشار في هذه اللحظة: ما الذي قاسه الاختبار المهني الذي قَبِل هذا الرجل في علم الأحياء، وما الذي لم يقسه؟
قاس الاختبار شيئا واحدا هو الميل، ولم يقس الكفاءة: لم يقس قدرته على أن يجلس ثماني ساعات في صمت يكرر تجربة فاشلة، ولا قدرته على احتمال السنوات التي تفصل بين الفرضية والنتيجة، ولا قدرته على التواصل غير الاجتماعي الذي تفرضه الزمالة في المختبر؛ وهذه الكفاءات غير الميل، ولا يقيسها أي اختبار من فئة هولاند (Holland)، والتمييز بينهما بسيط في النظر، ويقع ملايين الناس في الخطأ حين يتجاهلونه في العمل.
وقد صاغ النموذج المعروف باسم هولاند عالم نفس أمريكي هو جون هولاند (John L. Holland)، في ورقته الأكاديمية الأولى عام 1959 في «مجلة علم النفس الإرشادي» (Journal of Counseling Psychology)، وعنوانها «نظرية في الاختيار المهني» (A Theory of Vocational Choice)، وكانت النظرية بسيطة في صورتها الأولى، وبقيت بسيطة في صورتها الأخيرة: الناس ستة أنواع في ميولهم، وبيئات العمل ستة أنواع كذلك، والكفاءة المهنية تنشأ من التطابق بينهما.
والأنواع الستة هي الواقعي (Realistic) والباحث (Investigative) والفني (Artistic) والاجتماعي (Social) والمقدام (Enterprising) والتقليدي (Conventional)، وتجمع حروفها الأولى كلمة RIASEC المعروفة؛ ولما أطلق هولاند بعد ذلك أداة «البحث الموجه ذاتيا» (Self-Directed Search) عام 1971 فتح بها باب التطبيق الشعبي لنظريته، وأكثر اختبارات الميول المهنية المجانية على الإنترنت اليوم تقيس الأنماط الستة نفسها، ومنها الاختبار الذي يُستعمل في نسار.
فلماذا اكتفى هولاند بقياس الميل، مع أن النجاح في المهنة يحتاج إلى الكفاءة أيضا؟ اكتفى به عن قصد، فقد كان واضحا في كل كتاباته أن الذي يقيسه هو الميول دون القدرات، ورأى في تأطيره النظري أن اختيار المهنة تعبير عن الشخصية (Holland، 1959)؛ وهو تأطير اعتنى به: فالميل توجّه القلب، والكفاءة ثمرة الذكاء والممارسة، ولا تلازم بينهما بالضرورة.
فقد يحب الرجل القراءة ولا يلزم من ذلك أن يجيد الكتابة، وقد يكره الرياضيات ويتفوق فيها إذا أجبرته ظروفه، فحب الشيء وإجادته علاقتان مختلفتان بالشيء الواحد، وقد اختار اختبار هولاند منذ البداية أن يختص بالأولى، وترك الثانية لأدوات أخرى.
ولهذه النقطة أثر عملي في التوجيه المهني، فالطلاب يُختبرون في ميولهم، ثم يُوجَّهون على ضوء النتيجة، فيدخلون تخصصات يحبونها، ولا يجيدون ممارستها في المهنة؛ ولهذا يحسن أن تقرأ نتيجة اختبار الميول مع قراءة لكفاءاتك المعرفية والشخصية، فإذا التقت القراءتان فالنتيجة مصادفة سعيدة، وإذا تناقضتا فالمسار مهدد بالتعثر.
فالذي يحب الواقعي (Realistic) ولا يملك الكفاءة اليدوية سيفشل في النجارة، والذي يحب الاجتماعي (Social) ولا يملك مهارة التعاطف سيفشل في التدريس؛ وهذا ما نراه كل يوم: يدفع الميل صاحبه نحو المجال، ثم يكتشف بعد سنوات أنه لا يملك العدة التي يتطلبها المجال في الممارسة.
وأسوأ خلط يقع فيه قارئ نتيجته في هولاند أن يتلقى الشفرة الثلاثية، مثل «IAR» و«SEC» و«EIA»، ثم ينظر في قائمة المهن المقترحة بجانب كل شفرة على أنها مهن يستطيع أداءها، وهي في الحقيقة قائمة مهن سيستمتع بها إذا أجادها، والفرق بين الجملتين شاسع.
فالإجادة شرط للوصول، والاستمتاع شرط للاستمرار: من أجاد بلا ميل أنجز ثم احترق وترك، ومن مال بلا إجادة حاول ثم تعثر وترك، والناجح في المهنة على المدى الطويل من تلتقي عنده الإجادة والميل، فيأكل الميل التعب الذي تفرضه الإجادة، وتأكل الإجادة الإحباط الذي يفرضه الميل حين يكون بلا عدة.
وتكشف الأبحاث الطولية في علم النفس المهني فرقا آخر بين الميل والكفاءة يستحق الإشارة، فإدوارد سترونغ (Edward Strong)، الذي صمم أول اختبار مهني منهجي في الولايات المتحدة سنة 1927، أتبعه بدراسة طولية تتبعت خريجين جامعيين مدة 18 سنة، فأظهرت سجلاته أن الميل المهني مستقر بمعدل ملحوظ؛ ووجد تحليل بعدي لاحق (Low وزملاؤه، 2005) أن ثبات الميول يرتفع بوضوح بين 18 و22 سنة، ثم يبقى مرتفعا نحو عقدين.
فالذي يحب مجال البحث والتحليل في العشرين يبقى على حبه في الخمسين غالبا، أما الكفاءة فلا تتبع المنحنى نفسه، إذ تنمو بالممارسة، وتتراجع بالإهمال، وتدخل فيها عوامل كالصحة والظروف الأسرية والتدريب المهني؛ فنتيجة هولاند تخبرك بشيء ثابت فيك نسبيا، لأن الميل لا يتغير كثيرا مع السنين، ولا تخبرك بما تستطيع أن تطوّره.
ومن يملك الميل اليوم ولا يملك الكفاءة قد يكتسبها بالتدريب، وقد لا يكتسبها، ومن يملك الكفاءة ولا يملك الميل يتقن العمل سنوات، ويبقى غريبا عنه؛ وهذا التفاوت في منحنى النمو يجعل الميل أقرب إلى البوصلة، والكفاءة أقرب إلى المركبة، وكلتاهما لازمة، ولا تحل إحداهما محل الأخرى.
فالقراءة الصحيحة لنتيجة هولاند تقتضي إذن أن تكمل الصورة بأسئلة لا يطرحها الاختبار نفسه، وهي ثلاثة:
- ما المهارات التي يتطلبها العمل اليومي في المجال الذي ملت إليه، وما مستواي فيها الآن؟ فالميل إلى الباحث (Investigative) في علوم الحاسب لا يكفي إذا لم يكن المنطق الرمزي والرياضيات في متناولك.
- هل أحتمل نوع الإحباط الخاص بهذا المجال؟ فلكل مجال إحباطه: إحباط المختبر التكرار، وإحباط التدريس ألا يستجيب الطلاب، وإحباط المحاماة الإجراءات؛ والميل ينفع في الأوقات الجيدة، والكفاءة تنفع في الأوقات السيئة.
- هل أخبرني المجال نفسه أني أجيده، أم أخبرني أني أحبه فقط؟ فالتجربة الميدانية، ولو لأيام قليلة، تكشف ما لا تكشفه ساعتان أمام الاختبار.
ويزداد هذا التمييز أهمية حين يتحول سوق العمل بسرعة، فتنشأ مهن وتختفي أخرى: فمن اختار تخصصه على ميل مطلق دون أن يسأل عن الكفاءة دخل سوقا متغيرة بمعلومة ناقصة، ومن اختاره على الكفاءة وحدها دون أن يسأل عن الميل وجد نفسه يجيد مهنة يكرهها، فتركها بعد حين بكلفة كان يمكن أن يتجنبها؛ والجمع بين القراءتين أقل ما يحتاج إليه قرار مهني مسؤول، واختبار هولاند إحدى القراءتين، ولا يكتمل بنفسه.
فمن قرأ شفرته السداسية في نسار فليقرأها خريطة للذة، ولا يقرأها خريطة للنجاح: تخبره أين سيستيقظ صباحا وهو يشتهي العمل، ولا تخبره أين سينجز العمل بكفاءة؛ وإكمالها بأدوات أخرى، كتقييم المهارات وتجربة ميدانية قصيرة وشهادة من رأى العمل فيه يوما كاملا، يغطي ما يتركه هولاند خارج إطاره.
أهذا عيب في الاختبار؟ هذه حدوده التي أعلنها صانعه منذ أكثر من ستين سنة، ومن قرأه متجاوزا هذه الحدود خرج بنتيجة مبتورة، ثم نسب البتر إلى الاختبار، والبتر من قراءته هو.
وذلك الباحث الذي ذكره المستشار في أول الحديث نجح في الكتابة العلمية لأنها جمعت عنده أمرين لم يجتمعا في المختبر: ميله البحثي (Investigative)، الذي بقي به يحب المعرفة العلمية، وكفاءته الاجتماعية في توصيلها، ولم يكن يحتاج إليها في المختبر؛ فقد قال له الاختبار إن ميله بحثي، ولم يقل له إن كفاءته في تفسير العلم للعامة أعلى من كفاءته في إنتاجه، والذي قال له ذلك هو التجربة، فالنتيجة الصحيحة تأتي من الاختبار، والكاملة تأتي من الاختبار والحياة معا.