
حين يصير النمط هوية: متى يكون التصنيف فخا؟
في أحد لقاءات المهندسين الشباب وقف شاب في الخامسة والعشرين أمام دائرة من ثمانية أشخاص يعرّفون بأنفسهم، فلما جاء دوره قال جملته قبل أن يقول اسمه: «أنا INTJ، فلا تكلفوني بالأعمال التي تحتاج إلى اجتماعات كثيرة»، ثم ابتسم، وضحك من حوله، ومرت اللحظة، ثم ذكر اسمه؛ وأتبع ثلاثة آخرون في الجلسة تعريفهم بأنماطهم: شاب قال إنه ENFP، وآخر قال إنه 6و5 في الإنياغرام، وثالث ذكر أنه INFJ، ونبّه في كلمة مختصرة إلى أنه «نادر».
جاء الاسم في كل الحالات ثانيا، وجاء الحرف أولا، والمشهد لا يشبه التعارف في جيل الآباء، حين كان الاسم يسبق المهنة، والمهنة تسبق كل شيء آخر؛ ففي هذا الجيل صار النمط النفسي يسبق الاسم.
والظاهرة عالمية، أفرزتها مجتمعات الإنترنت في العقد الأخير، فلماذا نتوقف عند أربعة أحرف في وصف حساب، مع أن الشاب يدخل الحياة وهو يحمل قبلها هويات موروثة كثيرة: العائلة والمدينة والمدرسة والتخصص؟ نتوقف عندها لأن إضافة هوية مختارة إلى هذه الهويات، أربعة أحرف تُكتب في وصف الحساب على إنستغرام، فعل غير محايد، وموقف نفسي يتخذه صاحبه؛ فالإضافة تبدو صغيرة، لكنها تدخل في تكوين الذات إلى عمق يختلف عن مدلولها العلمي الأصلي، وقد كان الحرف يوصف ذات يوم بأنه أداة فهم، فصار في الاستعمال اليومي شارة انتماء.
والمفارقة أن صانعة المقياس نفسها حذرت من هذا مبكرا، فإيزابيل بريغز مايرز (Isabel Briggs Myers)، التي صاغت MBTI في الأربعينيات والخمسينيات، كتبت في كتابها «هدايا مختلفة» (Gifts Differing)، الصادر سنة 1980، تحذيرا صريحا من أن يُستعمل النمط لتبرير سلوك، أو لإعفاء صاحبه من تطوير ضده؛ وكتبت ما معناه أن النمط هدية، وليس قيودا، وأنه يكشف كيف يعمل الذهن في حالته الطبيعية، ولا يحد ما يستطيع صاحبه أن يتعلمه خارجها.
ودرست العالمة كارول دويك (Carol Dweck) في ستانفورد فرقا بسيطا في عقل الإنسان، له نتائج خطيرة: هل يعتقد أن صفاته ثابتة، أم يراها قابلة للتطوير؟ وصاغت هذا الفرق في كتابها «العقلية» (Mindset)، الصادر عام 2006، بمفهومين:
- العقلية الجامدة (fixed mindset): ينظر صاحبها إلى ذاته جدول صفات منحوتة في الحجر، فإذا نجح أكد جدوله، وإذا فشل اهتز تعريفه لنفسه.
- العقلية النامية (growth mindset): ينظر صاحبها إلى صفاته عضلات تنمو بالممارسة، فالنجاح عنده دليل على التدرب، والفشل تنبيه إلى نقصه، وكلاهما لا يهز تعريفه الجوهري.
وأظهرت دويك في تجاربها أن الفرق بين العقليتين يتنبأ بالإنجاز، ويتنبأ معه بالمرونة العاطفية، وبالعلاقات، وبالقدرة على تلقي النقد؛ وهذا ما وجدته في دراساتها هي، أما التحليلات البعدية الأوسع التي نُشرت بعد سنة 2018 فوجدت متوسط الأثر أصغر كثيرا مما أوحت به الرواية الشائعة.
فإذا أدخل القارئ ميله النمطي في إطار العقلية الجامدة صار الاختبار بوابة إلى الفخ الذي حذرت منه دويك، فتتحول «أنا INTJ» من جملة تصف، معناها أني أستجيب هكذا في المواقف الاجتماعية غالبا، إلى جملة تحكم، معناها أني لست الشخص الذي يستطيع أن يتعلم العمل في فريق كبير؛ فالجملة الأولى معرفة، والثانية قيد، والقيد يأتي من قارئ الاختبار، ولا يأتي من الاختبار، فالاختبار يصف نمطا سلوكيا، والقارئ يحوله إلى تعريف لهويته.
وهذا التحول يحدث في العادة بخطوات صغيرة، يبدأ فيها المرء بتفسير سلوك واحد بنمطه: «تأخرت عن الاجتماع لأن INTJ يكرهون الاجتماعات الطويلة»، ثم ينتقل إلى تبرير قرار: «لن أدرس هذا التخصص لأنه لا يناسب INFP»، ثم إلى رفض التطوير: «أنا غير اجتماعي لأني منطو، ولا يمكنني أن أتغير»، حتى يصير الحرف في آخر الطريق بديلا عن المحاولة؛ وهذا ما نراه كل يوم.
وعلامة هذا الفخ بسيطة: أن يصير النمط ذريعة لتجنب شيء كان يمكن تعلمه؛ فالانطواء لا يعذر صاحبه في ترك مهارة الكلام أمام الناس، والتفكير المنطقي لا يعذره في ترك الإصغاء العاطفي، والتوجه الحدسي لا يعذره في ترك التفاصيل التنفيذية.
ومن قرأ كتاب دويك يعرف أن المتميزين في أي مجال يخرجون غالبا من الطرف غير المتوقع لنمطهم: الانطوائيون الذين تعلموا الإلقاء، والحدسيون الذين تعلموا الإدارة التنفيذية، وأصحاب التفكير الذين تعلموا التعاطف؛ أي الذين تعلموا، ولم يتركوا التعلم بحجة أن نمطهم لا يعينهم عليه.
والنمط حقيقي بالقدر الذي تكون به السمة الشخصية حقيقية، فالانبساطي يستهلك طاقته في مواقف الانفراد، والانطوائي يستهلكها في مواقف الحشد، وهذا فرق بيولوجي معروف، وثّقه عمل هانز آيزنك (Hans Eysenck) قبل نحو ستين سنة، ووثّقه التصوير العصبي الحديث في مختبرات مثل مختبر كولين ديونغ (Colin DeYoung) في مينيسوتا؛ فالفرق غير مخترع.
لكن السمة شيء، والاختيار شيء آخر: السمة تقول: «هذا يكلفني طاقة أكثر»، والاختيار يقول: «أنا مستعد لأن أدفع الطاقة هنا، لأن النتيجة تستحق»؛ ومن جعل الحرف هوية فقد تخلى عن الاختيار، وألقى القرار على السمة، والخطأ هنا خطأ شخصي في طريقة استعمال أداة صحيحة، ولا يُحسب على العلم.
ويتضاعف الفخ في مجتمعات الإنترنت، إذ صارت محادثات المجموعات على تويتر وتيك توك تدور حول النمط أكثر مما تدور حول الشخص، فتدخل المحادثة بنمطك، فتلقى من يشاركك الحروف، فيتفاهم معك أكثر مما تفاهمت مع زملاء عملك في السنة الماضية؛ وهذا الإحساس بالانتماء حقيقي مريح، لكنه يدفع القارئ إلى أن يؤكد نمطه بدل أن يطوره.
فحين تكون في غرفة فيها مئة INTJ غيرك تُكافأ على أن تتصرف تصرف INTJ، وتُلام على كل سلوك يخرج عن القالب، فالجوائز الاجتماعية تصلّب النمط، وتقلل احتمال خروجه عن إطاره؛ وهذه آلية نفسية مصدرها البيئة التي تصنعها المنصات، والاختبار بريء منها، ومن انتبه لها استطاع أن يحضر هذه المجتمعات زائرا يتعلم لغة، ولا يحضرها عضوا يتبنى هوية، والفرق بين الزائر والعضو هو ما يفصل الانتفاع بالمجتمع عن الذوبان فيه.
فكيف يُستعمل النمط بأمان؟ يُستعمل بثلاث قواعد:
- اجعله مفردة، ولا تجعله توقيعا: مفردة تدخل في وصف سلوك محدد، مثل «في هذا الموقف انحزت إلى التفكير قبل المشاعر»، ولا تدخل في تعريف هوية، مثل «أنا شخص التفكير»؛ والفرق بين الجملتين فرق في الالتزام، فالأولى تفتح باب التعلم، والثانية تغلقه.
- توقع أن يتغير نمطك في مراحل العمر، ولا تقاوم التغير: فالأدبيات الطولية في علم نفس الشخصية، ولا سيما أعمال برنت روبرتس وزملائه في إلينوي، تشير إلى أن يقظة الضمير والتوافق يزدادان مع التقدم في العمر، وأن العصابية تنخفض، في معظم الناس، وهذا تطور طبيعي، ولا يُعد انحرافا عن النمط الأصلي.
- اقرأ نتيجتك مع شخص يعرفك من قريب: فالشهادة من خارج الاختبار تكشف غالبا ما يخفى على صاحبه، وهو أن في الحرف جزءا صحيحا، وفيه جزء هرب به صاحبه من محاولة كان يستطيع أن يخوضها.
وعاد ذلك الشاب بعد ثلاث سنوات إلى المجموعة نفسها، فلما جاء دوره في التعارف هذه المرة قال اسمه أولا، ثم أتبعه بجملة مختلفة: «أعمل في الذكاء الاصطناعي، وقضيت السنتين الماضيتين أتعلم كيف أدير اجتماعات كبيرة، لأني لاحظت أن أفضل الناس في تخصصي يجيدونها»؛ فلم يذكر MBTI، ولم ينف أنه INTJ، وكان ما زال كذلك، لكنه فهم أن النمط نقطة البداية، وأن الوجهة شيء آخر.
والذي تغير فيه بين المرتين علاقته بالحرف، والحرف على حاله، فقد صار يستعمل الحرف بعد أن كان الحرف يستعمله، وهذا هو الفرق الوحيد الذي يهم.