في حدود التصنيف

حين يصير النمط هوية: متى يكون التصنيف فخا؟

نحو ٦ دقائق قراءة

في إحدى لقاءات المهندسين الشباب في الرياض، وقف شاب في الخامسة والعشرين أمام دائرة من ثمانية أشخاص يعرفون أنفسهم. حين جاء دوره قال جملته قبل أن يقول اسمه: «أنا INTJ، يعني ما تكلفوني بالأشغال التي تحتاج اجتماعات كثيرة». ابتسم، ضحك من حوله، مرت اللحظة. ثم ذكر اسمه. ثلاثة آخرون في الجلسة أتبعوا التعريف بأنماطهم: شاب قال إنه ENFP، آخر أدخل ال«٥و» مع نمطه السداسي في Enneagram، وبنت ذكرت أنها INFJ مع تنبيه مختصر أنها «نادرة». الاسم في كل الحالات جاء ثانيا، الحرف أولا. المشهد لا يشبه مشهد التعارف في جيل الآباء، حين كان الاسم يسبق المهنة، والمهنة تسبق كل شيء آخر. في هذا الجيل، النمط النفسي يسبق الاسم.

الظاهرة ليست سعودية ولا عربية، هي ظاهرة معولمة أفرزتها مجتمعات الإنترنت في العقد الأخير. لكنها في السياق السعودي تتخذ صورة خاصة. الهوية الجمعية في هذا المجتمع قوية تاريخيا — قبيلة، عائلة، منطقة، مدرسة، تخصص — والشاب يدخل الحياة وهو يحمل أربع أو خمس هويات موروثة. أن تضاف إليها هوية خامسة مختارة، أربعة أحرف تكتب في وصف البايو في إنستغرام، ليس فعلا محايدا. هو موقف نفسي. الإضافة تبدو صغيرة، لكنها تدخل في تكوين الذات في عمق يختلف عن مدلولها العلمي الأصلي. الحرف كان موصوفا ذات يوم أنه أداة فهم، فصار في الاستخدام اليومي شارة انتماء.

المفارقة أن صانع المقياس نفسها حذرت من هذا مبكرا. إيزابيل بريغز مايرز (Isabel Briggs Myers)، التي صاغت MBTI في الأربعينيات والخمسينيات، كتبت في كتابها «هدايا مختلفة» (Gifts Differing) الذي صدر سنة ١٩٨٠ تحذيرا صريحا من استخدام النمط لتبرير سلوك أو لإعفاء صاحبه من تطوير ضده. كتبت بما معناه أن النمط هدية، لا قيود؛ وأنه يكشف كيف يعمل الذهن في حالته الطبيعية، لا ما يستطيع أن يتعلم خارج ذلك. أمها كاثرين بريغز (Katharine Cook Briggs)، التي بدأت العمل في تصنيف الناس وفق كتابات يونغ في عشرينيات القرن الماضي، كتبت لبنتها قبل ذلك بسنوات طويلة أن الخطر الأكبر في هذه التصنيفات أن الإنسان يتكيف مع التصنيف بدل أن يستخدمه. حرفيا: حين يقتنع المرء أنه «هذا النمط»، يصير يتصرف وفقه حتى لو لم يكن طبعه الأصلي، فيتحول المقياس من مرآة إلى قالب.

العالمة كارول دويك (Carol Dweck) في ستانفورد قضت أربعين سنة تدرس فرقا بسيطا في عقل الإنسان له نتائج خطيرة: هل يعتقد أن صفاته ثابتة، أم أنها قابلة للتطوير؟ صاغت هذا الفرق في كتابها «العقلية» (Mindset) الصادر عام ٢٠٠٦ بمفهومين: «العقلية الجامدة» (fixed mindset) و«العقلية النامية» (growth mindset). صاحب العقلية الجامدة ينظر إلى ذاته كجدول صفات منحوتة في الحجر؛ ينجح فيؤكد جدوله، يفشل فيهتز تعريفه. وصاحب العقلية النامية ينظر إلى الصفات كعضلات تنمو بالممارسة. النجاح له دليل على التدرب، والفشل تنبيه إلى نقصه، لكن كليهما لا يهز تعريفه الجوهري. ما أظهرته دويك في تجاربها أن الفرق بين العقليتين لا يتنبأ بالإنجاز فحسب، يتنبأ بالمرونة العاطفية، والعلاقات، والقدرة على استقبال النقد.

حين يدخل القارئ الميل النمطي في إطار العقلية الجامدة، يصير الاختبار بوابة إلى الفخ الذي حذرت منه دويك. «أنا INTJ» تتحول من جملة وصفية (هكذا أستجيب غالبا في المواقف الاجتماعية) إلى جملة حكمية (لست الشخص الذي يستطيع أن يتعلم العمل في فريق كبير). الجملة الأولى معرفة، الثانية قيد. والقيد لا يأتي من الاختبار، يأتي من قارئه. الاختبار يصف نمطا سلوكيا، القارئ يحوله إلى تعريف للهوية. هذا التحول يحدث عادة بخطوات صغيرة. تبدأ بتفسير سلوك واحد بالنمط: «أنا تأخرت على الاجتماع لأن الـ INTJ يكرهون الاجتماعات الطويلة». ثم تتحول إلى تبرير قرار: «لن أدرس هذا التخصص لأنه لا يناسب الـ INFP». ثم إلى رفض تطوير: «أنا غير اجتماعي لأني منطو، ولا يمكنني أن أتغير». في خاتمة المسار، يصبح الحرف بديلا عن المحاولة.

العلامة الكاشفة لهذا الفخ بسيطة: حين يصير النمط ذريعة لتجنب شيء كان من الممكن تعلمه. الانطواء ليس عذرا عن تطوير مهارة الكلام أمام الناس، التفكير المنطقي ليس عذرا عن تطوير الإصغاء العاطفي، التوجه الحدسي ليس عذرا عن تعلم التفاصيل التنفيذية. من قرأ كتاب دويك يعرف أن الممتازين في أي مجال يخرجون غالبا من الطيف غير المتوقع لنمطهم: الانطوائيون الذين تعلموا الإلقاء، الحدسيون الذين تعلموا الإدارة التنفيذية، أصحاب التفكير الذين تعلموا التعاطف. الذين تعلموا، لا الذين تخلوا عن محاولة التعلم بحجة أن نمطهم لا يدعمه.

هذا لا يعني أن النمط خداع. النمط حقيقي بالقدر الذي تكون فيه السمة الشخصية حقيقية. الانبساطي يستهلك طاقته في مواقف الانفراد، والانطوائي يستهلكها في مواقف الحشد. هذا فرق بيولوجي معروف، موثق في عمل هانز آيزنك (Hans Eysenck) قبل ثمانين سنة، وموثق في التصوير العصبي الحديث في مختبرات من أمثال كولين ديكلك (Colin DeYoung) في مينيسوتا. الفرق ليس مخترعا. ولكن السمة شيء والاختيار شيء آخر. السمة تقول: «هذا يكلفني طاقة أكثر». الاختيار يقول: «أنا مستعد لدفع الطاقة هنا لأن النتيجة تستحق». من جعل الحرف هوية، تخلى عن الاختيار، وألقى القرار على السمة. هذا ليس خطأ علميا، هذا خطأ شخصي في كيفية استخدام أداة صحيحة.

الفخ يتضاعف في مجتمعات الإنترنت العربية، حيث محادثات المجموعة على تويتر والتيك توك صارت تدور حول النمط لا حول الشخص. تدخل المحادثة بنمطك، فتلتقي بمن يشاركك الحروف، فيتفاهم معك أكثر مما تفاهمت مع زملاء العمل في السنة الماضية. هذا الإحساس بالانتماء حقيقي ومريح، لكنه يدفع القارئ إلى تأكيد نمطه بدل تطويره. حين تكون في غرفة فيها مئة INTJ آخر، أنت تكافأ على التصرف كـ INTJ، وتلام على أي سلوك يخرج عن القالب. الجوائز الاجتماعية تصلب النمط، وتقلل احتمال خروجه عن إطاره. هذه آلية نفسية ليست في الاختبار، في البيئة المنصية. والذي ينتبه إلى ذلك يستطيع أن يختار حضوره في هذه المجتمعات كزائر يتعلم لغة، لا كعضو يتبنى هوية. الفرق بين الزائر والعضو هو ما يفصل الاستفادة من المجتمع عن الذوبان فيه.

كيف يستخدم النمط بأمان؟ أولا، اجعله مفردة، لا توقيع. مفردة تدخل في وصف سلوك محدد («في هذا الموقف انحزت إلى التفكير قبل المشاعر») لا في تعريف هوية («أنا شخص التفكير»). الفرق بين الجملتين فرق في الالتزام. الأولى تفتح باب التعلم، الثانية تغلقه. ثانيا، توقع أن يتغير نمطك في مراحل العمر، ولا تقاوم التغير. الأدبيات الطولية في علم النفس الشخصي، خاصة أعمال برنت روبرتس وزملائه في إلينوي، تشير إلى أن يقظة الضمير والتوافق يزدادان مع التقدم في العمر، وأن العصابية تنخفض، في معظم الناس. هذا تطور طبيعي، لا انحراف عن النمط الأصلي. ثالثا، اقرأ نتيجتك مع شخص يعرفك من قريب. الشهادة من خارج الاختبار غالبا تكشف ما يخفى على صاحبه: أن الحرف فيه جزء صحيح، وفيه جزء هرب من محاولة كان يستطيع خوضها.

عاد ذلك الشاب في الرياض بعد ثلاث سنوات إلى نفس المجموعة. حين جاء دوره في التعارف هذه المرة، قال اسمه أولا، ثم أتبعه بجملة مختلفة: «أشتغل في الذكاء الاصطناعي، وقضيت السنتين الماضيتين أتعلم كيف أدير اجتماعات كبيرة، لأني لاحظت أن أفضل الناس في تخصصي يجيدونها». لم يذكر MBTI. لم ينف أن يكون INTJ. كان ما زال كذلك. لكنه فهم أن النمط نقطة البداية، لا الوجهة. الذي تغير فيه بين المرتين ليس الحرف، الذي تغير فيه علاقته بالحرف. صار يستخدمه، بعد أن كان يستخدم به. هذا هو الفرق الوحيد الذي يهم.