شفافية
مقياس نقاط القوة في نسار: قراءة مستقلة بإسناد واضح
نحو ٦ دقائق قراءة
في صيف عام ١٩٥٠، انضم إلى هيئة التدريس في جامعة نبراسكا أستاذ مساعد شاب في السادسة والعشرين، اسمه دون كليفتون (Donald O. Clifton). كان قد عاد للتو من سنوات الخدمة في القوات الجوية في الحرب العالمية الثانية، وأكمل الدكتوراه في علم النفس التربوي، وتولى تدريس مادة في الإرشاد النفسي لطلاب الجامعة. في فصول مكتبه الأولى، كان يستقبل طلابا في صعاب أكاديمية، ويلتقي بهم لتشخيص ما يلزمهم. بعد عدة أشهر، كتب في تقرير داخلي ملاحظة ثم صارت أساس مشروعه المهني: «إني أمضي نهاري في علاج ما لا يعمل عند الطلاب، وأتجاهل ما يعمل. لو قلبت النظر، هل سيكون التدخل أنفع؟». السؤال بسيط، لكن الإجابة عليه استغرقت من كليفتون خمسين سنة.
في عام ١٩٦٩، بعد قرابة عشرين سنة من العمل الأكاديمي، أسس كليفتون شركة تجارية اسمها Selection Research, Inc.، هدفها بيع أدوات للتوظيف تحدد نقاط القوة عوض نقاط الضعف. عملت الشركة بهدوء نسبي على مدى عقود، حتى سنة ١٩٨٨ حين اشترت شركة Gallup المعروفة باستطلاعات الرأي. الاسم الذي بقي بعد ذلك هو Gallup، لكن القلب الفكري بقي نهج كليفتون. عام ١٩٩٩، نشر كليفتون مع شريكه ماركوس باكينغهام (Marcus Buckingham) كتابا عنوانه «نقاط القوة الآن، اكتشفها» (Now, Discover Your Strengths)، أدرجوا فيه أول نسخة من اختبار سموه StrengthsFinder، يقيس أربعا وثلاثين سمة سلوكية. الكتاب باع ملايين النسخ، والاختبار صار بعد ذلك بست عشرة سنة يسمى CliftonStrengths في تكريم متأخر لصاحبه الذي توفي عام ٢٠٠٣.
هذا هو الإطار التاريخي. أما الإطار القانوني، فأكثر صرامة. الاسم Gallup، الاسم CliftonStrengths، الاسم StrengthsFinder، الأسماء الأربعة والثلاثون للسمات نفسها (التعلم، التجميع، الإنجاز، التخطيط، الانسجام، المثابرة، الاستراتيجية، إلى آخر القائمة)، الخوارزمية التي تحول الإجابات إلى ترتيب، الإطار النظري للمجالات الأربعة التي تجمع السمات (التنفيذ، التأثير، بناء العلاقات، التفكير الاستراتيجي): كل هذا ملكية مسجلة لشركة Gallup. الاختبار الرسمي لا يباع بأقل من خمسة وعشرين دولارا للتقرير المختصر، وبمئة تقريبا للتقرير الكامل، ولا يوزع في السوق السعودية بنسخة عربية محكمة. الذي يكتب عن «كليفتون» في المحتوى العربي اليوم في أغلبه قراءات مترجمة من إنجليزي المصدر، وليست من اختبار معمول بالعربية الرسمية.
هذا الفراغ هو ما يفتح باب القراءة العربية المستقلة. ما يقدمه نسار في مقياس نقاط القوة ليس الاختبار الرسمي، ولا يدعي أنه كذلك. هو أداة تحليلية مستلهمة من نهج كليفتون، تستخدم أسماء السمات الأربع والثلاثين كمفاتيح معروفة في الأدبيات، وتستخدم النمط الزوجي الذي ابتكره كليفتون نفسه (أن يختار المختبر بين عبارتين متزاحمتين، لا أن يقيم كل عبارة مستقلة). عدد الأزواج في النسخة الرسمية من Gallup مئة وسبعة وسبعون زوجا. نسار يستخدم مئة وخمسين زوجا. البند بالعربية، صياغته كتبت للقارئ العربي، والخوارزمية التي تنتج عنها الترتيب مفتوحة المصدر يستطيع أي باحث مراجعتها. الإطار النظري هو نفسه إطار كليفتون، فصل مرارا في كتب منشورة متاحة. الاختلاف بين نسار والاختبار الرسمي ليس في أصل الفكرة، إنما في التطبيق والملكية والاعتماد.
لماذا تهم هذه التفرقة لقارئ نسار؟ أولا لأنها الاحترام الأدنى الذي يستحقه قبل أن يدفع وقته في أداء الاختبار. الأداة التي يختبر بها نفسه أداة تعليمية تعلمه لغة كليفتون، تدربه على ملاحظة سلوكه، تهيئ له نتيجة يستطيع البناء عليها. لا يخرج بعدها بشهادة معتمدة من Gallup، ولا بنتيجة موثوقة في تقييم وظيفي تتطلبها شركة كبيرة. من أراد ذلك، عليه الذهاب إلى الموقع الرسمي، الدفع، وخوض الاختبار في صيغته الإنجليزية. ثانيا، لأن التفرقة تحمي القارئ من الخلط: حين يقول له شخص في حوار مهني: «أنا Strategic في كليفتون»، ويجيبه بجواب نتيجة نسار، عليه أن يعلم أن الاثنين يتكلمان لغة واحدة لكن من مصدرين مختلفين، أحدهما رسمي معتمد، والآخر تعليمي مفتوح. ثالثا، لأن الشفافية في هذه النقطة موقف أخلاقي. كتب كليفتون نفسه في إحدى مقالاته المنشورة:
«الناس يتطورون كثيرا أكثر ببناء نقاط قوتهم مما يفعلون بإصلاح نقاط ضعفهم» — دون كليفتون.
هذا الموقف الفكري، أن التعليم يبني على ما هو موجود، يفرض على أي أداة تستلهم نهجه أن تحترم ما هو موجود من قبل: الملكية القانونية للجهة التي قننت الأداة، والحد الذي يفصل القراءة المستقلة عن الادعاء التخصصي. لا يعني هذا أن القراءة المستقلة قليلة القيمة. في غياب النسخة العربية المعتمدة، هذه القراءة هي السبيل الواقعي أمام القارئ العربي ليتعلم لغة كليفتون. المنطق كمنطق كتب الفيزياء المترجمة في القرن العشرين: الفيزياء نفسها مكتوبة في الإنجليزية، الكتب العربية المترجمة ليست بدائل عن الأوراق البحثية الأصلية، لكنها أدوات دخول إلى الحقل. من قرأ كتاب فيزياء عربي في الثانوية لا يلقب فيزيائيا، لكنه يدخل المحاضرة الجامعية أفضل تهيؤا ممن لم يقرأ.
القيمة التعليمية لأداة نسار تتمركز في ثلاثة أشياء. الأول: تدريب القارئ على الملاحظة الذاتية في أربعة مجالات سلوكية محددة، عوض المجال المبهم الذي تستخدمه أكثر اختبارات الشخصية المتوافرة. الثاني: الانتقال من ثنائيات MBTI الأربع إلى أربع وثلاثين سمة، يسمح بتمييز أدق لما يفرق إنسانا عن إنسان. أنت لست INTJ كنمط مع ملايين الـINTJ، أنت تركيب محدد من خمس سمات من أصل أربع وثلاثين، وهذا التركيب نادر بالحساب الرياضي المحض. الثالث: المنهج مبني على البناء لا الإصلاح، فيغير طريقة قراءة القارئ لنفسه. من نشأ في بيئة تعليمية تركز على نقاط الضعف وتطلب إصلاحها، يجد في كليفتون عدسة مختلفة تفتح له إمكانات كانت مغطاة في ذهنه.
الحدود التعليمية للأداة وجب ذكرها أيضا. الخوارزمية هنا غير معمول بها على عينة سعودية أو خليجية واسعة، يعني أن المقارنة المعيارية (هل أنت في الشريحة العليا أم المتوسطة لسمة ما، نسبة لأقرانك) ضعيفة بالضرورة. الاختبار الرسمي من Gallup يملك عينة نورمتيفية يرى موقعك فيها بدقة إحصائية. نسار يعطيك ترتيب سماتك مع بعضها (أيها أعلى في رأسك)، لا ترتيبك بين الناس. الفرق بين القراءتين فرق جوهري. الأولى تصلح لفهم النفس، الثانية تصلح لقرارات التوظيف والتخصص. من أدى الاختبار في نسار لغرض الفهم الذاتي، الأداة كافية. من يريد قرارا وظيفيا مبنيا على موقعه بين أقرانه، عليه إكمال القراءة بأدوات ذات عينة معيارية موثوقة.
هذه الشفافية ليست تواضعا مصطنعا. هي شرط تعليمي صارم. القارئ الذي يخوض الاختبار في نسار يستحق أن يعرف بالضبط ما يأخذه. أخذ أداة تعليمية مكتوبة بالعربية، تستلهم نهجا قننته شركة تجارية أمريكية معينة، وينقص فيها ما لا تستطيع القراءة المستقلة في غياب تفويض رسمي توفيره: عينة معيارية، شهادة اعتماد، شفرة موثوقة في سوق العمل. ما يأخذه في المقابل قيم بنفسه: لغة عربية لوصف نقاط قوته، إطار معرفي يفتح له الكتب المنشورة في الحقل، أداة يستخدمها في الحوار مع نفسه قبل أن يدفع ثمن الاختبار الرسمي في صيغته الإنجليزية.
عاد كليفتون في آخر مقالة نشرها قبل وفاته إلى السؤال الذي كتبه في تقرير نبراسكا عام ١٩٥٠. كتب أن السؤال الأصلي كان صحيحا، لكن تطبيقه احتاج خمسين سنة من الميدان لينضج. من يستلهم نهجه اليوم في صيغة عربية تعليمية مفتوحة يخوض الطريق نفسه من نقطته الأولى. ليس بديلا عن خمسين سنة، هو بداية فيها وفاء لما بدأه. ولأنه بداية، لا يصح أن يعرض كنهاية. الذي يفهم هذا الفرق يستخدم نسار في موضعه الصحيح: لغة يتعلمها، لا شهادة يحملها. والذي ينسى هذا الفرق، يعود إلى أول الفخ الذي حاول كليفتون نفسه أن يخرج منه: تحويل أداة تعليمية إلى حكم نهائي على صاحبها.