
مقياس نقاط القوة في نسار: كيف نقرؤه قراءة مستقلة بإسناد واضح؟
في صيف سنة 1950 انضم إلى هيئة التدريس في جامعة نبراسكا أستاذ مساعد شاب في السادسة والعشرين، اسمه دون كليفتون (Donald O. Clifton). وكان قد خدم في القوات الجوية في الحرب العالمية الثانية، فتولى في الجامعة تدريس علم النفس التربوي. ويُنسب إليه أنه رأى علم النفس يدرس ما يخطئ فيه الناس أكثر مما يدرس ما يتفوقون فيه، فسأل: ماذا لو درسنا ما يتفوق فيه الناس؟ والسؤال بسيط، لكن الجواب عنه شغل كليفتون خمسين سنة.
وفي سنة 1969، بعد قرابة عشرين سنة في الجامعة، أسس كليفتون شركة Selection Research, Inc. التجارية. وكانت الشركة تبيع أدوات للتوظيف تبحث في المتقدمين عن نقاط القوة بدل نقاط الضعف. وعملت بعيدًا عن الأضواء سنين طويلة، ثم اشترت سنة 1988 شركة Gallup المعروفة باستطلاعات الرأي. فبقي على الشركة اسم Gallup، وبقي في قلبها نهج كليفتون.
وفي سنة 1999 أطلقت الشركة بقيادة كليفتون أول نسخة من مقياس سمته StrengthsFinder. وكان يقيس في أول أمره خمسًا وثلاثين سمة، ثم صارت أربعًا وثلاثين بعد أشهر من جمع البيانات. ثم نشر كليفتون سنة 2001 مع ماركوس باكينغهام (Marcus Buckingham) كتابًا عنوانه «نقاط القوة الآن، اكتشفها» (Now, Discover Your Strengths)، وأرفق به رمزًا لأخذ المقياس، فوصل المقياس إلى جمهور واسع. وتُوفي كليفتون سنة 2003، ثم صار المقياس يسمى لاحقًا CliftonStrengths، تكريمًا لصاحبه بعد وفاته.
هذا هو الإطار التاريخي. أما الإطار القانوني فأشد صرامة، فهذه كلها ملكية مسجلة لشركة Gallup:
- الأسماء: Gallup وCliftonStrengths وStrengthsFinder.
- أسماء السمات الأربع والثلاثين نفسها: المتعلم والمجمع والمنجز والمركز والانسجام والمنضبط والاستراتيجي، إلى آخر القائمة.
- الخوارزمية: وهي التي تحوّل الإجابات إلى ترتيب.
- الإطار النظري للمجالات الأربعة: وهو الذي يجمع السمات في التنفيذ والتأثير وبناء العلاقات والتفكير الاستراتيجي.
والمقياس الرسمي مدفوع، وله نسخة عربية تصدرها Gallup.
أما مقياس نقاط القوة في نسار فليس المقياس الرسمي، ولا يدّعي أنه هو. فهو أداة تحليلية مستلهمة من نهج كليفتون، تستعمل أسماء السمات الأربع والثلاثين لأنها مفاتيح معروفة في الأدبيات. وتستعمل كذلك فكرة البند الزوجي، أي أن تُعرض على المجيب عبارتان متقابلتان، بدل أن يقيّم كل عبارة وحدها. وقد اختار فريق كليفتون هذا الشكل في تسعينيات القرن الماضي، باقتراح من فيل ستون (Phil Stone) من جامعة هارفارد. وفي المقياس الرسمي 196 بندًا بحسب تقرير Gallup الفني لسنة 2026، وكانت 200 في تقرير 2023، ويجيب المرء عن كل بند على سلم من خمس درجات. أما نسار فيعرض 150 زوجًا، ويختار المجيب في كل زوج عبارة واحدة.
وبنود نسار مكتوبة بالعربية من الأصل. أما الإطار النظري فهو إطار كليفتون نفسه، وقد فُصّل مرارًا في كتب منشورة متاحة. فالاختلاف بين نسار والمقياس الرسمي في التطبيق والملكية والاعتماد، وأصل الفكرة واحد.
فلماذا تهم هذه التفرقة قارئ نسار، مع أن أصل الفكرة واحد؟ تهمه لثلاثة أسباب:
- الاحترام: فمن حق القارئ أن يعرف ما يأخذه قبل أن يبذل وقته في المقياس. فالأداة التي يقيس بها نفسه أداة تعليمية، تعلمه لغة كليفتون، وتدربه على ملاحظة سلوكه، وتعطيه نتيجة يستطيع أن يبني عليها. ولا يخرج منها بشهادة معتمدة من Gallup، ولا بنتيجة يُعتمد عليها في تقييم وظيفي تطلبه شركة. ومن أراد ذلك فليذهب إلى الموقع الرسمي، ويدفع، ويأخذ المقياس الرسمي.
- الحماية من الخلط: فقد يقول له زميل في حديث عن العمل إن سمته الأولى في كليفتون الاستراتيجي، فيجيبه بنتيجته في نسار. وعليه حينئذ أن يعلم أن الاثنين يتكلمان لغة واحدة من مصدرين مختلفين، أحدهما رسمي معتمد، والآخر تعليمي مفتوح.
- الأخلاق: فالأداة التي تستلهم عمل غيرها ينبغي أن تقول ذلك صراحة، والشفافية في هذه النقطة موقف أخلاقي.
ونهج كليفتون يقوم على أن التعليم يبني على ما هو موجود. وهذا النهج يلزم كل أداة تستلهمه أن تحترم ما وُجد قبلها، أي الملكية القانونية للجهة التي قنّنت الأداة، والحد الذي يفصل القراءة المستقلة عن الادعاء التخصصي. وللقراءة المستقلة مع ذلك قيمتها، فهي طريق يتعلم به القارئ لغة كليفتون.
وهي في ذلك تشبه كتب الفيزياء المدرسية. فهذه الكتب لا تغني عن البحوث الأصلية، لكنها أدوات يدخل بها الطالب إلى العلم. ومن قرأ كتاب فيزياء في الثانوية لا يُسمّى فيزيائيًا، لكنه يدخل المحاضرة الجامعية أحسن استعدادًا ممن لم يقرأه.
وتتركز القيمة التعليمية لأداة نسار في ثلاثة أشياء:
- الأول: تدرّب القارئ على أن يلاحظ نفسه في أربعة مجالات سلوكية محددة، بدل الوصف العام الذي تكتفي به أكثر اختبارات الشخصية المتاحة.
- الثاني: تنقله من ثنائيات MBTI الأربع إلى أربع وثلاثين سمة، فتسمح بتمييز أدق بين إنسان وآخر. فالقارئ لا يجمعه نمط INTJ بملايين يشاركونه إياه، إذ هو تركيب محدد من خمس سمات من أصل أربع وثلاثين، وهذا التركيب نادر في الحساب الرياضي المحض.
- الثالث: يبني المنهج على ما عندك بدل أن يبدأ بإصلاح ما ينقصك، فيغيّر طريقة قراءتك لنفسك. ومن نشأ في بيئة تعليمية تركز على نقاط الضعف وتطلب إصلاحها، يجد في كليفتون طريقة أخرى للنظر إلى نفسه، تريه إمكانات لم يكن ينتبه إليها.
ولا بد من ذكر حدود الأداة التعليمية أيضًا. فالخوارزمية هنا لم تُعايَر على عينة معيارية واسعة. ومعنى ذلك أن المقارنة المعيارية ضعيفة بالضرورة، فلا تعرف منها هل أنت في الشريحة العليا لسمة ما، أم في الشريحة المتوسطة بين أقرانك. وحتى المقياس الرسمي يعطي ترتيبًا داخل الشخص، وتقول Gallup إنه لا يصلح للتوظيف.
ونسار كذلك يعطيك ترتيب سماتك بعضها إلى بعض، أي أيها أعلى فيك، ولا يعطيك موضعك بين الناس. وهذا الترتيب يصلح لفهم النفس. فمن أخذ المقياس في نسار ليفهم نفسه فالأداة تكفيه. ومن أراد قرارًا وظيفيًا مبنيًا على موضعه بين أقرانه، فعليه أن يكمل بأدوات لها عينة معيارية موثوقة.
فإن قلت: أليست هذه الشفافية تواضعًا مصطنعًا؟ قلنا: هي شرط تعليمي. فالقارئ الذي يأخذ المقياس في نسار يستحق أن يعرف بالضبط ما يأخذه. فهو يأخذ أداة تعليمية مكتوبة بالعربية، تستلهم نهجًا قنّنته شركة أمريكية بعينها. وينقص هذه الأداة ما لا تستطيع القراءة المستقلة أن توفره دون تفويض رسمي، وهو العينة المعيارية، وشهادة الاعتماد، والاعتراف بها في سوق العمل.
وما يأخذه في المقابل له قيمته: لغة عربية يصف بها نقاط قوته، وإطار معرفي يفتح له الكتب المنشورة في هذا الباب، وأداة يحاور بها نفسه قبل أن يدفع ثمن المقياس الرسمي.
ومن يستلهم نهج كليفتون اليوم في صيغة عربية تعليمية مفتوحة يبدأ من النقطة التي بدأ منها كليفتون، ولا يغني عن خمسين سنة من عمله. ولأن هذه الأداة بداية، فلا يصح أن تُعرض على أنها نهاية. فاستعمل نسار لغة تتعلمها، ولا تحمل نتيجته على أنها شهادة، ولا تجعلها حكمًا نهائيًا على نفسك أو على غيرك.