لماذا لا تتنافس المقاييس الأربعة؟

المقاييس الأربعة · نحو 7 دقائق قراءة

في أوائل عام 1913، في إحدى رحلاته في الريف السويسري، كان طبيب نفسي في السابعة والثلاثين يكتب في دفتر صغير، وقد قطع توا علاقته العلمية بأستاذه الأكبر زيغموند فرويد، بعد خلاف دام سنوات، بدأ هادئا وانتهى إلى قطيعة؛ وكان سببه الظاهر مركزية الجنس في تفسير العصاب، أما سببه الأعمق فأن الرجلين كانا يعملان بعقلين مختلفين، وكل منهما يفترض أن عقله هو القاعدة، وأن عقل صاحبه منحرف عنها.

وكتب الرجل في دفتره أن المشكلة في جوهرها مسألة نمط نفسي، واسمه كارل يونغ؛ وبعد ثماني سنوات من تلك اللحظة نشر كتابا سماه «الأنماط النفسية» (Psychological Types)، يشرح فيه ما انتهى إليه: أن الناس لا يستعملون الأدوات الإدراكية نفسها بالترتيب نفسه، وأن خلافاتهم العميقة تأتي من اختلاف أنماطهم، فلا يلزم أن يكون أحد الطرفين مخطئا.

وهذه القصة هي الجد الأكبر لمقاييس الشخصية الحديثة كلها، فقد كان كتاب يونغ خريطة، وحاول أكثر من باحث في العقود التالية أن يحوّل الخريطة إلى أدوات تقيس:

  • إيزابيل بريغز مايرز وأمها: صنعتا MBTI في الأربعينيات، فأخذتا من إطار يونغ أربعة محاور دون غيرها، وحولتاها إلى رمز من أربعة أحرف.
  • جون هولاند: عالم نفس عمل مستشارا مهنيا في الجيش الأمريكي، ونشر سنة 1959 ورقته الأولى عن ستة توجهات مهنية (Realistic, Investigative, Artistic, Social, Enterprising, Conventional)، تعكس كيف يتوجه الإنسان إلى بيئة العمل.
  • دونالد كليفتون: بدأ عمله في جامعة نبراسكا في الخمسينيات، ثم انتقل إلى مؤسسة Gallup، وأطلق سنة 1999 مقياسا سُمّي StrengthsFinder، ويُعرف اليوم باسم CliftonStrengths، فتناول السؤال من زاوية أخرى: ما العادة السلوكية المعززة فيك حين تُترك بلا توجيه؟

والقارئ الذي يدخل هذا العالم يبدأ في الغالب بـMBTI، ثم يسأل: أي المقاييس أدق؟ وهذا سؤال خاطئ، لأن المقاييس الأربعة لا تتنافس على الجواب، فكل منها يطرح سؤالا غير سؤال صاحبه، ويجيب عنه بأدواته؛ ومثله أن يسأل طبيب: أي الأدوات أدق، السماعة أم جهاز الضغط أم تحليل الدم؟ فكل أداة منها تقيس شيئا آخر، ودقة المقياس تُعرف بمطابقته لما يدّعي قياسه.

خذ هذه الحالة المتخيلة مثالا: طبيب شاب تخرج بامتياز، ودخل مستشفى كبيرا، فلم يكمل فيه ثمانية عشر شهرا، إذ أدرك أنه لا يقدر أن يكون طبيبا تقليديا، يقف في غرفة الفحص ويتخذ كل يوم قرارات سريعة؛ فغادر المستشفى، واشتغل بعلم الأعصاب، وبدأ يكتب عن مرضاه قصصا مطولة، فلماذا فشل في الطب السريري التقليدي، ونجح في كتابة طبية من نوع آخر؟ هذا هو السؤال الذي تجيب عنه المقاييس الأربعة، كل منها بجزء.

فما الذي يقوله MBTI؟ يقول إن صاحبنا INFP: يجد طاقته في العالم الداخلي (I)، ويلتقط الأفكار بالحدس أكثر من الحواس (N)، ويبني قراره على القيم أكثر من المنطق المجرد (F)، ويفضل المرونة على الإغلاق (P)؛ وهذا الرمز الرباعي يشرح لماذا ينفر هذا الطبيب من غرفة طوارئ تطلب قرارا كل خمس دقائق، ولا يشرح لماذا نجح في الكتابة الطبية تحديدا، فالجواب عنده موجود، لكنه سطحي، وهنا يدخل المقياس الثاني.

ويونغ، بوظائفه الإدراكية الثماني، يقول إن لـINFP في ترتيبه الكامل أربع وظائف متتابعة:

  • Fi مهيمنة: الحكم القيمي الداخلي.
  • Ne داعمة: الحدس الخارجي الذي يرى الإمكانات في الموقف.
  • Si تالية: ذاكرة حسية دقيقة لتفاصيل ما عاشه صاحبها.
  • Te دنيا: تنظيم الواقع وإصدار القرار.

وهذا الترتيب يكشف ما لا يكشفه الرمز، فالطبيب كاتب طبي استثنائي لأنه يلتقط بحدسه (Ne) ما يختلف فيه كل مريض عن القاعدة، ويستدعي بذاكرته الحسية (Si) تفاصيل ساعة الفحص بعد انقضائها، ثم يكتبها في نظام سردي يديره بـTe الدنيا؛ فالكتابة هي البيئة التي تستعمل وظائفه بترتيبها الصحيح، أما الفحص السريع فيطلب Te مهيمنة، وهذا فرق جوهري يختفي في حرفين، ويظهر في ترتيب الوظائف.

ولماذا اختار علم الأعصاب من بين عشرات التخصصات؟ يونغ وحده لا يفسر ذلك، وهنا يدخل هولاند: فمقياس RIASEC يقيس التوجه المهني، ويعطي في العادة رمزا من ثلاثة أحرف، فلنفترض أن رمز طبيبنا IAS، أي تحقيقي ثم فني ثم اجتماعي؛ فارتفاع I يشرح اهتمامه بفهم طريقة عمل الدماغ، وارتفاع A يشرح ميله إلى أن يعبّر عما فهمه في نص سردي بدل المقالات العلمية الجافة، وحضور S، وهو أدنى منهما، يشرح لماذا كتب عن المرضى أفرادا، ولم يكتب عنهم حالات.

فالرمز الثلاثي يكشف البيئة التي تنبسط فيها الشخصية، ولا يكشف الشخصية نفسها؛ والفرق بين «أنا INFP» و«مهنتي تقع في منطقة IA» فرق بين سؤالين مختلفين تماما.

أما المقياس الرابع، CliftonStrengths، فيطرح سؤالا آخر بالكامل، فلا يسأل عن النمط، ولا عن الترتيب الإدراكي، ولا عن البيئة، ويسأل عن عاداتك السلوكية المعززة: ما الذي تفعله تلقائيا، بلا تفكير، إذا تُركت بلا توجيه؟

فلنفترض أن طبيبنا يحفظ أخبار مرضاه، وينغمس في الأفكار، ويتقمص الحالة النفسية لمن يجلس أمامه، وهذه عادات تسميها لغة كليفتون سمة «المجمّع» (Input) في أعلى خمس سماته، وقريبا منها سمة «العقلاني» (Intellection)، ومعهما سمة «مدرك المشاعر» (Empathy)؛ ولا تنبع السمات الثلاث من نمطه في MBTI مباشرة، ولا من ترتيب يونغ، ولا من رمز هولاند، فهي تنبع مما اعتاد ذهنه أن يفعله ألف مرة، مواهب تتكوّن مبكرا، ثم تصير قوة بالممارسة.

فإذا جمعنا المقاييس الأربعة على الشخص نفسه حصلنا على صورة لا يكشفها مقياس واحد: INFP يفسر النمط، وFi-Ne-Si-Te يفسر الترتيب الإدراكي في الراحة وتحت الضغط، وIAS يفسر البيئة المهنية، وInput + Intellection + Empathy تفسر السلوك المعتاد؛ وكل طبقة تجيب عن سؤال مختلف، وكل واحدة منها ناقصة إذا انفردت.

فمن قرأ هذا الطبيب بـMBTI وحده ظنه مزاجيا يصعب عليه الالتزام، ومن قرأه بالمقاييس الأربعة فهم لماذا اختار الكتابة الطبية على الطب السريري، ولماذا نجح فيها بعد عقود من المحاولة، ولماذا فشل في المستشفى مع أنه كان ذكيا متخرجا بامتياز؛ فلم يكن الذكاء مشكلته، إذ كانت البيئة تطلب منه وظائف ذهنية غير وظائفه المهيمنة.

ولهذا التكامل أثر عملي ثقيل في قراءة المرء نفسه، فكل طبقة تضيفها تفك إبهاما في الطبقة التي قبلها:

  • MBTI وحده: يخرج صاحبه بأربعة أحرف.
  • ومعه يونغ: يفهم صاحبه لماذا يتصرف تصرفا مختلفا تحت الضغط.
  • ومعهما هولاند: يعرف أي بيئة مهنية تلائمه، وأيها تستنزفه مع كفاءته التقنية.
  • ومعها CliftonStrengths: يفهم لماذا يتقن عملا بعينه، ويتعثر في عمل آخر قريب منه.

والطبقات الأربع معا تنتج صورة ثلاثية الأبعاد، لا تنتجها طبقة واحدة ولو كانت أدق الطبقات.

فهل تتناقض الطبقات؟ قد تتناقض، وهذا أخطر الأسئلة؛ فقد تخرج في MBTI بنمط ESTJ، وفي هولاند برمز AIE، أي فني ثم تحقيقي ثم ريادي، فيظهر تناقض بين شخصية تنظيمية تقليدية وميل مهني فني، ولا يعني هذا التناقض أن أحد المقياسين أخطأ، فقد يعني أن صاحبه يعمل في وظيفة تنظيمية صباحا، وينغمس في الفن مساء.

فالإنسان مركب، والمقاييس المتكاملة تكشف تركيبه بدل أن تسطحه؛ ومن استعمل مقياسا واحدا فقد اختار، دون أن يقول ذلك، أن يرى وجها واحدا من نفسه، ومن استعمل أربعة رأى أربعة وجوه، وتعلم أن يجمع بينها، وهذا هو الفرق بين القراءة السطحية والقراءة الناضجة.

والذي جلس في الريف السويسري سنة 1913 يكتب في دفتره كان يكتب خريطة، ولم يكن يكتب مقياسا، والخريطة لا تستنفدها زاوية واحدة، فهي تحتاج إلى أن تُقاس من مواقع عدة لتكتمل؛ ومن قرأ نفسه بأربعة مقاييس فعل ما اقترحه يونغ ضمنا قبل أكثر من قرن: رأى نفسه من زوايا متعددة، ثم تولى بنفسه عمل التركيب، فلا يسلم نتيجته لمقياس يختزله، ولا يرفضها لأنها خيبت ظنه، ويمسك بها أداة يستعملها، ولا تستعمله.

  1. Jung, C. G. (1923). Psychological types (H. G. Baynes, Trans.). Kegan Paul. (Original work published 1921). https://psychclassics.yorku.ca/Jung/types.htm
  2. Myers, I. B., & Myers, P. B. (1980). Gifts differing: Understanding personality type. Consulting Psychologists Press. https://openlibrary.org/works/OL3589631W
  3. Holland, J. L. (1959). A theory of vocational choice. Journal of Counseling Psychology, 6(1), 35–45. https://doi.org/10.1037/h0040767
  4. Asplund, J., & Harter, J. (2023). The CliftonStrengths technical report: Development and validation of the assessment known as CliftonStrengths and StrengthsFinder. Gallup. https://www.gallup.com/services/176321/clifton-strengthsfinder-technical-report-development-validation.aspx