
ماذا تفعل بعد النتيجة؟
كان بيتر دروكر، مؤسس علم الإدارة الحديث، إذا اتخذ قرارا مهما كتب ما يتوقع أن يحدث، ثم عاد بعد تسعة أشهر أو اثني عشر شهرا يقارن: ماذا توقعت؟ وماذا حدث؟ وقال إنه يمارس هذه الطريقة منذ خمس عشرة إلى عشرين سنة، وكتب عن هذه العادة في مقالته «إدارة الذات» (Managing Oneself)، التي نشرتها Harvard Business Review سنة 1999، وهي من أكثر مقالات HBR قراءة في تاريخها.
والذي يصنعه دروكر هنا استعمال لما عرفه عن نفسه، والاستعمال غير المعرفة، والفرق بينهما دقيق جوهري، فقد يعرف الإنسان عن نفسه أشياء كثيرة ولا يفعل بها شيئا: يعرف أنه ينفر من الفوضى، ويتحملها في وظيفته عشر سنوات، ويعرف أنه يتقن الكتابة ولا يكتب، ويعرف أنه يتعب في الاجتماعات الطويلة، ويقبل دعوة كل مساء؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي، والذي جعل دروكر يكتب توقعاته سنوات طويلة إيمانه بأن الحياة تنزف في الفجوة بين معرفتك وسلوكك.
والقارئ الذي ينتهي من مقياس للشخصية يقف أمام هذه الفجوة نفسها: النتيجة في يده، والوصف مقروء، والحرف معروف، أو السمات الخمس، أو الشفرة السداسية؛ فلماذا يغلق الصفحة ولا يتغير في حياته شيء، مع أنه وجد فيها ما يصفه؟ يغلقها لأن ما يحدث في أكثر الحالات يشبه الانحياز التأكيدي: ينظر في نتيجته، فيجد فيها ما يؤكد ما يعرفه عن نفسه، فيرضى، ويطوي الصفحة، فقد كانت النتيجة عنده للتأكيد، ولم تكن للتغيير؛ وهذا ما نراه كل يوم، وهو أشيع مصير لمقاييس الشخصية على الإنترنت.
الخطوة الأولى أن تحوّل النتيجة من هوية إلى فرضية: فحرف INTJ في يدك فرضية عن سلوكك، والفرضية تُختبر ولا تُعتنق، وأهم ما تُختبر به ما يعارضها؛ فمن خرج بـINTJ فليسأل: في أي سلوكاتي الأسبوعية أخالف هذا الوصف؟ وفي أي اللحظات أتصرف تصرف ESFP أو ISTJ؟
وهذا التناقض يحسبه كثيرون عيبا في النتيجة، والعيب في الفهم المسطح لها، فالإنسان مركّب، والأحرف الأربعة لا تكشف منه إلا طبقة واحدة، ومن اكتفى بالطبقة الأولى حوّل نتيجة مرنة إلى قيد صارم.
الخطوة الثانية أن تختار من الوصف سلوكا واحدا، وتجربه أسبوعا: ففي وصف كل نمط عشرات الاقتراحات السلوكية المتناثرة، وصاحب نمط INFP مثلا يُقال له إنه يعمل أحسن إذا كتب أفكاره قبل أن ينطق بها في الاجتماع، وهذا اقتراح سلوكي محدد، فإن صدق عليه فليجربه أسبوعا واحدا: يكتب قبل كل اجتماع في ورقته ثلاث نقاط يريد أن يقولها، ثم يسأل في آخر الأسبوع: هل اختلف أدائي؟ وهل شعرت أني أوضح؟ وهل لاحظ زملائي شيئا؟
وتجربة أسبوع واحد أنفع من الانغماس في عشر صفحات تصف النمط وصفا نظريا، فالعلم في عموم تاريخه تقدم بالتجريب، ولم تكن القراءة وحدها تكفيه، وتطبيق هذا المبدأ على نفسك يقتضي أن تختار تجربة واحدة صغيرة، تؤديها بجد، ثم ترى ما تخرج به.
الخطوة الثالثة أن تطلب رأي شخصين يعرفانك جيدا: ولا تعطهما النتيجة، فأعطهما الوصف كاملا، ثم اسأل: هل هذا أنا؟ وفي أي موضع يختلف عني؟ وفي أي موضع يصدق عليّ بدقة؟ فأنت ترى نفسك من الداخل، ومن حولك يرونك من الخارج، والنمط الذي يخرج من المقياس هو النمط الذي تراه أنت في نفسك، وقد يرى فيك زملاؤك وأهلك نمطا آخر، لأن كل منظور يلتقط طبقة غير التي يلتقطها الآخر؛ والفجوة بين الصورتين أخصب ما يقدمه المقياس لصاحبه.
الخطوة الرابعة أن تكشف نقاط ضعفك مع نقاط قوتك: فمقاييس الشخصية الشائعة تميل إلى تلميع قارئها، فتكتب عن «نقاط قوتك المتفردة» و«مواهبك الخاصة»، وتمر على نقاط الضعف سريعا، حتى إن كلمتي «نقاط الضعف» تغيبان عن أكثر صفحات النتائج على الإنترنت، لئلا ينفر القارئ، والنتيجة الملمّعة على هذا النحو لا تنفعه.
فمن خرج بـINTJ فليقرأ بجد أكبر القسم الذي يتحدث عن مخاطر هذا النمط: الميل إلى الإفراط في الانعزال عند الضغط، وصعوبة قبول النقد العاطفي، وازدراء الحدس البسيط للآخرين؛ فهذه أنفع له من أي مدح، لأن نقاط القوة تنمو وحدها، ونقاط الضعف تحتاج إلى انتباه عملي.
ودرست عالمة النفس كارول دويك (Carol Dweck)، في جامعة ستانفورد، الفرق بين عقليتين: عقلية ثابتة ترى السمات صفات يولد بها المرء، وعقلية نامية تراها أدوات تقبل التطوير؛ ووجدت في تجاربها، التي نشرتها في كتاب «Mindset» سنة 2006، أن أصحاب العقلية الثابتة يستسلمون أسرع عند الفشل، لأنهم يفسرونه انكشافا لنقص وُلدوا به، وأن أصحاب العقلية النامية يفسرونه فرصة لتطوير الأداة.
وهذه نتائج برنامجها البحثي، وقد وجدت دراسات لاحقة أعادت تجاربها أن متوسط الأثر أصغر مما أظهرته دراساتها الأولى؛ ومع ذلك يخسر من خرج بنتيجة مقياس فتعامل معها بعقلية ثابتة، كأن يقول: «أنا INTJ، ولا أتقن العواطف، فلن أتعلمها»، والجملة الأخيرة كاذبة، والأصح أن يقرأ في نتيجته: «أميل إلى تجنب التعبير العاطفي، وهذا يقبل التعديل بالتجريب والممارسة، وإن كلّفني جهدا أكبر من أصحاب F».
الخطوة الخامسة، وهي أهمها، أن تستعمل المحاور لأسئلة محددة: سواء كان المحاور مستشارا أو صديقا تحاوره في الأفكار أو معالجا، ولا تستعمله للتأكيد العام؛ فبين أن تسأل: «هل صحيح أني شخص تحليلي؟» وأن تسأل: «كيف أتعامل مع زميل في العمل ينتقدني مرة بعد مرة بنبرة عاطفية، وأنا أميل إلى الإجابات المنطقية المجردة؟» فرق كبير، فالسؤال الأول ينتج تأكيدا يريحك ولا يتغير به شيء، والثاني ينتج اقتراحا عمليا تستطيع أن تجربه غدا.
فمن جعل نتيجته أرضية لأسئلة ضيقة خرج بأدوات تنفعه، ومن جعلها أرضية لأسئلة واسعة خرج بتأكيد جديد لما كان يعرفه عن نفسه أصلا، ولم يخرج بشيء يعمل به.
الخطوة السادسة أن تعيد المقاييس بعد سنة، وتقارن: فالنتيجة الأولى صورة، والثانية صورة أخرى، والفرق بينهما هو الحركة، فالناس يتغيرون وإن لم ينتبهوا؛ فمن خرج في الثلاثين بـINTJ، ثم عاد في الحادية والثلاثين بالنتيجة نفسها، عرف أن نمطه استقر، ومن خرج بنتيجة مختلفة عرف أن سنة من حياته أزاحت فيه شيئا.
وقد تكون الإزاحة نضجا، وقد تكون تكيفا مع بيئة جديدة، وقد تكون استجابة لصدمة، ولن تعرف أيها إلا إذا قارنت، ولن تقارن إلا إذا حفظت نتائجك القديمة، فاحفظها في مكان تعود إليه.
والنتيجة وحدها لا تغيّر شيئا، والذي يغيّر الأشياء حوار يومي تعقده بينها وبين سلوكك: أن تفتح دفترا كما فعل دروكر، فتكتب قبل كل اجتماع مهم كيف تتوقع أن تتصرف بناء على ما تعرفه عن نمطك، ثم تعود بعد الاجتماع فتكتب ما حدث فعلا؛ والفجوة بين التوقع والواقع وقود التعلم، فالذي يتوقع نفسه بدقة لا يتعلم عنها شيئا، لأنه يعرفها أصلا، والذي يخطئ في توقعها يكتشف في كل خطأ طبقة جديدة.
وما فعله دروكر سنوات طويلة كان تدريبا على أن يرى شخصيته بدقة تزداد مع الزمن؛ وهذا هو الفرق بين أن تعرف نفسك وأن تحوّل معرفتك إلى عمل، فالنتيجة التي تظهر في صفحة بعد ستين سؤالا بداية الطريق، ومن توقف عندها خرج بأربعة أحرف، ومن جعلها أرضية للخطوات الست خرج بعادة تلازمه بقية حياته.
فدروكر حين كان يكتب توقعاته كان يستعمل ما عرفه عن نفسه، ولا يقف عند تأمله، والفرق بين التأمل والاستعمال هو الذي يجعل نتيجة تنفع، وأخرى تلمع في صفحة ثم تُنسى.