بعد النتيجة
ماذا تفعل بعد النتيجة؟
نحو ٧ دقائق قراءة
في بيت صغير في كليرمونت بولاية كاليفورنيا، كان رجل في التسعين من عمره يجلس إلى مكتب خشبي ضيق ينظر إلى الحديقة، وإلى جانبه دفتر مفتوح صفحته الأخيرة. لم يكن الدفتر يوميات بالمعنى المعروف، وإنما سجل هادئ يسجل فيه أهم القرارات التي يتخذها — في الكتابة، في التدريس، في الاستشارة — ويتوقع نتيجتها مكتوبة على الصفحة. كان كل ستة أشهر يعود إلى الصفحات القديمة ويقارن: ماذا توقعت؟ ماذا حدث؟ أين أصاب الحدس وأين خان؟ بقي يفعل هذا اثنتين وخمسين سنة. اسمه بيتر دروكر، مؤسس علم الإدارة الحديث، وكتب عن هذه العادة في مقالته «إدارة الذات» (Managing Oneself) المنشورة في Harvard Business Review سنة ١٩٩٩، التي ظلت تباع في طبعات منفردة بعد وفاته سنة ٢٠٠٥، وهي من أكثر مقالات HBR قراءة في تاريخها.
ما يفعله دروكر في دفتره ليس معرفة بالنفس، إنه استعمال لما عرفه. الفرق دقيق وجوهري. الإنسان قد يعرف عن نفسه أشياء كثيرة دون أن يفعل بها شيئا. يعرف أنه ينفر من الفوضى ويتحملها عشر سنوات في وظيفة. يعرف أنه يتقن الكتابة ولا يكتب. يعرف أنه يتعب في الاجتماعات الطويلة ويقبل دعوة كل مساء. المعرفة وحدها لا تكفي. ما يجعل دروكر يكتب الدفتر الصغير لاثنتين وخمسين سنة هو إيمانه أن الفجوة بين معرفتك وسلوكك هي حيث تنزف الحياة.
القارئ الذي ينتهي من مقياس شخصية يجد نفسه أمام هذه الفجوة بالضبط. النتيجة في يده. الوصف مقروء. الحرف معروف، أو السمات الخمس معروفة، أو الكود الستاسي معروف. ثم ماذا؟ في غالب الحالات يحدث ما يسمى في علم النفس بـ«انغلاق التأكيد» (confirmation closure): ينظر القارئ إلى نتيجته، يجد فيها ما يؤكد ما يعرفه أصلا عن نفسه، يشعر بالرضا، يغلق الصفحة، ولا يحدث شيء بعد ذلك في حياته. النتيجة كانت للتأكيد، لا للتغيير. هذا أشيع مصير مقاييس الشخصية على الإنترنت.
الخطوة الأولى لكسر هذا الانغلاق هي تحويل النتيجة من هوية إلى فرضية. حرف INTJ في يدك ليس وصفا لما أنت عليه؛ هو فرضية عن سلوكك. الفرضية تختبر، لا تعتنق. وأهم ما تختبر فيه هو ما يعارضها. القارئ الذي يخرج بـINTJ ينبغي أن يسأل: في أي سلوكاتي الأسبوعية أتناقض مع هذا الوصف؟ في أي لحظات أتصرف كـESFP أو كـISTJ؟ التناقض ليس عيبا في النتيجة، إنه عيب في الفهم المسطح للنتيجة. الإنسان مركب، والحرف الأربع لا يكشف إلا طبقة واحدة. من يكتفي بالطبقة الأولى يحول نتيجة مرنة إلى قيد صارم.
الخطوة الثانية: اختر سلوكا واحدا من الوصف، وجربه أسبوعا. الوصف لكل نمط يحوي عشرات من الاقتراحات السلوكية المتناثرة فيه. صاحب النمط INFP، مثلا، يقال له إنه يعمل أفضل حين يكتب أفكاره قبل أن ينطق بها في الاجتماع. هذا اقتراح سلوكي ملموس. إن صدق عليه، فليجربه أسبوعا واحدا: قبل كل اجتماع، يكتب في ورقته ثلاث نقاط يريد قولها. وفي نهاية الأسبوع يسأل: هل اختلف أدائي؟ هل شعرت بأني أوضح؟ هل لحظ زملائي شيئا؟ التجريب الأسبوعي الواحد أنفع من الانغماس في عشر صفحات تصف النمط نظريا. العلم في عموم تاريخه تقدم بالتجريب لا بالقراءة. وتطبيق هذا المبدإ على ذاتك يستلزم أن تختار تجربة واحدة صغيرة، تفعلها بجدية، ثم ترى.
الخطوة الثالثة: اطلب رد فعل من شخصين يعرفانك جيدا. لا تعطهما النتيجة. أعطهما الوصف الكامل ثم اسأل: هل هذا أنا؟ في أي نقطة تختلف عني؟ في أي نقطة تنطبق بدقة؟ الإنسان يرى نفسه من الداخل، ومن حوله يرونه من الخارج. النمط الذي يخرج من المقياس هو النمط الذي تراه أنت في نفسك. النمط الذي يراه فيك زملاؤك وأهلك قد يكون مختلفا. ليس لأن أحد المنظورين كاذب، إنما لأن كل منظور يلتقط طبقة مختلفة. الفجوة بين الاثنين أخصب ما يقدمه المقياس لصاحبه. كتب دروكر في «إدارة الذات»: «المعرفة بالنفس وحدها لا تكفي. عليك أيضا أن تعرف كيف تؤدي عملك». المؤدى لا يظهر إلا في عين الناظر إليك من خارج.
الخطوة الرابعة: اكشف نقاط الضعف، لا نقاط القوة فحسب. مقاييس الشخصية الشعبية ميالة إلى تلميع القارئ. تكتب عن «نقاط قوتك المتفردة» و«مواهبك الخاصة»، وتتجاوز سريعا على نقاط الضعف. كلمتا «نقاط الضعف» غائبتان من أكثر صفحات النتائج على الإنترنت، حتى لا ينفر القارئ. والنتيجة الملفاتية هذه لا تنفع. من يخرج بـINTJ ينبغي أن يقرأ بجدية أكبر القسم الذي يتحدث عن مخاطر هذا النمط: الميل إلى الإفراط في الانعزال عند الضغط، صعوبة قبول النقد العاطفي، ازدراء الحدس البسيط للآخرين. هذه أنفع من أي مدح. لأن نقاط القوة تنمو وحدها، ونقاط الضعف تحتاج انتباها عمليا.
كاتبة علم النفس كارول دويك (Carol Dweck) في جامعة ستانفورد قضت ثلاثة عقود تدرس الفرق بين عقليتين: عقلية ثابتة تنظر إلى السمات كصفات مولودة، وعقلية نامية تنظر إلى السمات كأدوات قابلة للتطوير. في تجاربها المنشورة في كتاب «Mindset» سنة ٢٠٠٦، وجدت أن أصحاب العقلية الثابتة يستسلمون أسرع عند الفشل، لأنهم يفسرون الفشل ككشف لنقص مولود. أصحاب العقلية النامية يفسرون الفشل كفرصة لتطوير الأداة. من يخرج بنتيجة مقياس يخسر إذا تعامل معها بعقلية ثابتة: «أنا INTJ، أنا لا أتقن العواطف، إذن لن أتعلمها». الجملة الأخيرة كاذبة. ما يجب أن يقرأه من نتيجته: «أنا أميل إلى تجنب التعبير العاطفي. هذا قابل للتعديل بالتجريب والممارسة، وإن كان سيكلفني جهدا أكبر من أصحاب الـF».
الخطوة الخامسة والأهم: استخدم المحاور — أو المستشار، أو الصديق الفكري، أو المعالج، أيا كان المصدر — لأسئلة محددة، لا للتأكيد العام. الفرق بين أن تسأل: «هل صحيح أني شخص تحليلي؟» و«كيف أتعامل مع زميل في العمل ينتقدني بشكل متكرر بنبرة عاطفية، إذا كان ميلي إلى الإجابات المنطقية المجردة؟» السؤال الأول ينتج تأكيدا يريحك ولا يتغير به شيء. السؤال الثاني ينتج اقتراحا عمليا تستطيع تجريبه غدا. القارئ الذي يستخدم نتيجته كأرضية لأسئلة ضيقة يخرج بأدوات تنفعه. القارئ الذي يستخدمها لأسئلة واسعة يخرج بمزيد من التأكيد الذي عاش طويلا بلا تأكيد.
الخطوة السادسة: أعد المقاييس بعد سنة، وقارن. النتيجة الأولى صورة. النتيجة الثانية صورة ثانية. الفرق بين الاثنتين هو الحركة. الناس يتغيرون، وإن لم ينتبهوا. من يخرج في الثلاثين بـINTJ، ويعود في الواحدة والثلاثين بالنتيجة نفسها، يعرف أن نمطه استقر. من يخرج بنتيجة مختلفة يعرف أن سنة من الحياة أزاحت شيئا. الإزاحة قد تكون نضجا، قد تكون تكيفا مع بيئة جديدة، قد تكون استجابة لصدمة. لا تستطيع أن تعرف إلا إذا قارنت. ولا تستطيع أن تقارن إلا إذا حفظت نتائجك القديمة. احتفظ بها في مكان تعود إليه.
النتيجة نفسها لا تغير شيئا. ما يغير الأشياء هو أن تعقد بينها وبين سلوكك حوارا يوميا. أن تفتح الدفتر مثل دروكر، وتسجل قبل كل اجتماع مهم كيف تتوقع نفسك أن تتصرف بناء على ما تعرفه عن نمطك، ثم تعود بعد الاجتماع وتسجل ما حدث فعلا. الفجوة بين التوقع والواقع هي وقود التعلم. الإنسان الذي يتوقع نفسه بدقة لا يتعلم شيئا عنها؛ هو يعرفها أصلا. الإنسان الذي يتوقع نفسه بشكل خاطئ يكتشف، في كل خطأ، طبقة جديدة. ما فعله دروكر اثنتين وخمسين سنة لم يكن مراجعة لشخصيته؛ كان تدريبا على رؤيتها بدقة أكبر مع الزمن.
هذا هو الفرق بين أن تعرف نفسك وأن تحول المعرفة إلى عمل. النتيجة التي تنزل في صفحة بعد ستين سؤالا هي بداية، لا نهاية. من يتوقف عندها يخرج بأربعة أحرف. من يستخدمها كأرضية لست خطوات — تحويلها إلى فرضية، تجريب سلوك واحد، طلب رد الفعل، الكشف عن نقاط الضعف، الأسئلة المحددة، الإعادة السنوية — يخرج بعادة تلازمه بقية حياته. الرجل الذي جلس في كليرمونت يكتب في دفتره الصغير لم يكن يتأمل نفسه؛ كان يستعملها. والفرق بين التأمل والاستعمال هو ما يجعل نتيجة تنفع وأخرى تلمع في صفحة ثم تنسى.